الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٥٤454
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
موضعاً لا يراني فيه أحد، إذ الله في كل مكان فاستحسنوا مراقبته وقالوا: حق لك أن تكرم
[491] وينشد /:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ساعة ولا أن ما تخفى عليه يغيب
ولا تحسبن الله يغفل ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب وأن غداً للناظرين قريب وقال سفيان: عليك بالمراقبة ممن لا تخفى عليه خافية، وعليك بالرجاء ممن يملك الوفاء، وعليك بالحذر ممن يملك العقوبة.
اعلم أن حقيقة المراقبة هي ملاحظة الرقيب وانصراف الهم إليه، وذلك إذا غلب على القلب علم يقين لا شك فيه، كالعلم بالموت وأمور الآخرة، ومعرفة عظم الرب تعالى وجلاله، والمراقبون بهذه المعرفة هم الصديقون من المقربين وأصحاب اليمين، فمراقبة الصديقين بالتعظيم والإجلال الله تعالى، وذلك إذا استولى على القلب حب الله تعالى وعظمته، فابصر حينئذ الدنيا خيالاً، والآخرة مثالاً، فصار همه واحداً، فكفاه الله سائر الهموم، وصاحب هذه الحالة ربما يغفل عن الخلق حتى لا يبصر من حضر معه، ولا يسمع ما يقال له، وهذا لا يستبعد؛ لأنه قد يعرض بخدام الملوك المعظمة في الدنيا، فلا يعرف الخادم ما يجري في مجلس الملك لشدة استغراق قلبه في خوف الملك هبة وإجلالاً، بل قد يعرض للرجل مهم حقير فيتفكر فيه وهو يمشي فربما يخطاء الموضع الذي قصده.
وقد
أن روي يحيى بن زكريا عليهما السلام مر بامرأة، فدفعها، فسقطت على وجهها فقيل له لم فعلت هذا فقال: ما ظننتها إلا جداراً فهذه درجة المراقبين الذين غلب على
قلوبهم الإجلال والتعظيم، فلم يبق فيها متسع لغير ذلك.
من
الله
وأما مراقبة أهل الورع من أصحاب اليمين: فهي مراقبة قوم غلب عليهم الحياء تعالى، فلا يتقدمون ولا يتأخرون إلا بعد التثبت ويمتنعون عن كل ما يفتضحون به يوم القيامة، فإنهم يرون أن الله تعالى مطلع عليهم، ويعرف الفرق بين مراقبة أهل التعظيم والإجلال الله [492] تعالى / وبين مراقبة أهل الحياء منه بالمشاهدة؛ فإنك في خلوتك قد تتعاطى أعمالاً فيحضرك صبي، فتعلم أنه مطلع عليك فتستحي منه فتحسن جلوسك وتراعي أحوالك، لا عن إجلال للصبي وتعظيمه بل حياء منه، ويدخل عليك بعض الملوك والأكابر فتترك ما أنت فيه حياء منه وتعظيماً له.
وهكذا تختلف مراتب العبادة، فمن كان في هذه الدرجة فيحتاج أن يراعي جميع حركة
تركاته