الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣١قنطرة العلم
110
الوظيفة الرابعة: النصيحة للمتعلمين والرفق بهم وتسهيل السبيل عليهم وبذل المجهود في رفدهم ومعونتهم؛ فإن ذلك أعظم الأجرهم، وإسناد لذكرهم، وأنشر لعلومهم وأرسخ لمعلومهم، ومن النصيحة للمتعلم أن يمنعه من التصدي لرتبة قبل استحقاقها والتشاغل بعلم خفي قبل الفراغ من الجلي.
ثم ينبهه على أن مطلب العلوم القرب من الله تعالى دون الرئاسة، والمباهات والمنافسة ويقبح في نفسه ذلك بأقصى ما يمكن من التقبيح فليس ما يصلحه العالم الفاجر بأكثر مما
يفسده.
واعلم أن المتعلمين ضربان مستدع وطالب. فأما المستدعي إلى العلم: فهو من استدعاه / العالم إلى التعلم لما ظهر له من جودة ذكائه وقوة خاطره، فإذا وافق استدعاء العالم [120/ب] شهوة المتعلم كانت نتيجتها درك السعداء، وظفر النجباء؛ لأن العالم باستدعائه متوفر، والمتعلم بشهوته مستكثر. وأما الطالب للعلم لداع يدعوه وباعث يحدوه: فإن كان الداعي دينياً وكان المتعلم يقظاناً ذكياً وجب على العالم أن يكون عليه مقبلاً وعلى تعليمه متوافراً لا يخفى عنه مكنوناً ولا يطوي عليه مخزوناً.
وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال لعلي بن أبي طلب: لئن يهدي الله بك رجلاً
خير ممن طلعت عليه الشمس.
وإن كان بليداً بعيد الفطنة فينبغي ألا يمنع من اليسير فيحرم، ولا يحمل عليه الكثير فيظلم، ولا يجعل بلادته ذريعة إلى حرمانه، فإن الشهوة باعثة والصبر مؤثر. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تمنعوا العلم أهله فتظلموا ولا تضعوه في غير أهله
فتأثموا».
وقال بعض الحكماء: لا تمنعوا العلم أحداً فإن العلم أمنع لجانيه. فإن لم يكن الداعي دينياً نظر فيه، فإن كان مباحاً كرجل دعاه إلى طلب العلم حب النباهة، وطلب الرئاسة، فالقول فيه يقارب التعليم له، إذ كان مطلوبه من العلم ما يرجاه أن يعطفه في الحال الثاني، وذلك مثل علم التفسير والحديث، وعلم الآخرة، ومعرفة أخلاق النفس وكيفية تهذيبها، وما أشبه ذلك مما كان الأولون يشتغلون به ولذلك حكي عن سفيان الثوري أنه قال: تعلمنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا الله. قناطر الخيرات ج/1 م/9