الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣٢116
قنطرة العلم
وقال ابن المبارك: تعلمنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا.
وذلك العلم مثل ما قدمناه من علم التفسير والمواعظ، فإذا تعلمه الطالب وقصد به الدنيا فلا بأس أن يتركه؛ فإنه ربما يتشمر له الطالب طمعاً في الوعظ به للجاه والاستتباع ولكنه ربما [1/ 121] يتنبه في آخر الأمر إذ فيه العلوم / المخوفة من الله عز وجل المحقره للدنيا المعظمة للآخرة. وذلك يوشك أن يرده إلى قصد الآخرة؛ حتى يتعظ بما يعظ به غيره ويجري تحبيب
القبول والجاه بذلك أول مرة مجرى الحب الذي ينثر حوالي الفخ ليقتنص به الطير. وقد فعل الله ذلك لعباده إذ خلق الشهوة؛ فيصل الخلق بها إلى بقاء النسل، وخلق أيضاً
حب الجاه ليكون سبباً لإحياء العلوم، وهذا متوقع في هذه العلوم.
وأما علوم المجادلات والفتاوى والخصومات والأشعار التي فيها السخف، وأشباه ذلك فلا يزيد التجرد لها مع الإعراض عن غيرها إلا قسوة في القلب، وغفلة عن الله سبحانه وتمادياً في الضلال وجمعاً للحطام إلا من تداركه الله سبحانه. برحمته.
وأما إن كان الداعي إلى التعليم شراً كامناً ومكراً باطناً يريد أن يستعملهما المتعلم في شبهة دينية وحيل فقهية لا يجد أهل السلامة عنها مخلصاً، ولا فيها مدفعاً. كما قال النبي عليه السلام: «لا أخاف عليكم مؤمناً ولا مشركاً؛ لأن المؤمن قد شغله إيمانه، والمشرك قد أذله الله
بشركه ولكن أخاف عليكم منافقاً عالم اللسان جاهل القلب. . . . . الحديث. وقال عليه السلام: أهلك أمتي رجلان عالم فاجر وجاهل متعبد». وقيل: يا رسول
الله، أي الناس أشر؟ فقال: «العلماء إذا فسدوا». فينبغي للعالم إذا رأى من هذا حاله أن يمنعه من طلبته، ولا يعينه على إمضاء مكره وخديعته؛ فإن إعانة من هذه حالته بسلاح العلم يجري مجرى إعانة قاطع الطريق بالسلاح. وقد روي عن أبي المنيب حامد بن يانيس رحمه الله: أنه كان إذا أتاه أبو خليل الدركلي رحمه الله للتعلم، فإن وجده مضطجعاً قعد على نفسه أو مغطياً وجهه كشف عنه، [1/ 122] أخوه عمرو بن يانيس فإن وجده قاعداً، اضطجع أو مكشوفاً وجهه غطاه. فقيل / له في ذلك، فقال أبو خليل: إنما يتعلم الله وأما عمرو فإنما يتعلم ليؤذي المسلمين ويعنتهم. فكان الأمر كما
وإن أتاه
قال الشيخ: فكان أبو خليل قائماً بالدين قادة في الإسلام، فصار عمر وبالاً على المسلمين وصاحباً لخلف بن السمح فأحدث أحداثاً في الإسلام، فكان يتتبع زلات المسلمين ويكتب بها إلى الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه فكتب إليه الإمام فقال: أعاذنا الله يا عمرو من النزول بعد