الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٥٥قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
455
ولحظاته، بل جميع خطراته، فينظر قبل العمل إلى ما تحرك به عقله وخاطره، أهو الله خالصة أو للنفس ومتابعة الشيطان؟ فيتوقف ويتثبت حتى يتبين له الحق فإن كان الله سبحانه أمضاه وإن كان لغير الله فيستحي ويكف، وهذا التوقف في بدء الأمر واجب محتوم، فإن في الخير تنشر للإنسان في كل حركة من حركاته وإن صغرت ثلاثة دواوين الأول: لم، والثاني: كيف، والثالث: لمن، ومعناه لم فعلت هذا كان لك أن تفعله لمولاك أو ملت إليه لشهوتك وهواك، فإن سلم عنه بأن كان عليه أن يفعل ذلك لمولاه.
سئل عن الديوان الثاني فقيل له: كيف فعلت هذا؟ فإن الله عليك في كل عمل شرطاً وحكماً لا يدرك قدره ووقته وصفته إلا بعلم فيقال له: كيف فعلت بعلم محقق أم بعلل وظن؟ فإن سلم من هذا نشر الديوان الثالث وهو المطالبة بالإخلاص فيقال: لمن فعلت؟ ألوجه الله تعالى خالصاً وفاء بقولك: لا إله إلا الله فيكون أجرك على الله أم لمراءاة خلق مثلك فخذ أجرك منه؟ أم عملته لتنال عاجل دنياك وقد وفيناك نصيبك من الدنيا؟ أم عملته بسهو وغفلة فقد سقط أجرك، وبطل عملك، وخاب سعيك، وإن عملته لغيري فقد استوجبت عقابي ومقتي إذ كنت عبد إلى تأكل رزقي، وتترفه بنعمتي ثم تعمل لغيري أما سمعتني أقول: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ﴾ (1). ويحك أما سمعتنى أقول: ألاً لِلَّهِ الَّذِينَ الْخَالِصُ) (2). فإذا عرف العبد أنه بصدد هذه المطالبات / والتوبيخات طالب نفسه قبل أن يطالب، وأعد للسؤال [493]
(2)
جواباً، وللجواب صواباً، فلا يبداء ولا يعيد ولا يحرك جفناً ولا أنملة إلا بعد التثبيت والتأمل وقد قال النبي عليه السلام لمعاذ: إن الرجل ليسأل عن كحل عينيه وعن فت الطين وعن لمسه
ثوب أخيه» (3).
فهذا
هو
النظر الأول هذه المراقبة، ولا يخلص من هذا العلم المتين والمعرفة في الحقيقية بأسرار الأعمال، وأعوان النفس ومكائد الشيطان وإلا فلا يسلم.
بل الأكثرون يرتكبون الجهل فيما يكرهه الله تعالى، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً،
(1) سورة الأعراف الآية: 194.
(2) سورة الزمر، الآية: 3.
(3) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (103/ 10) وقال رواه أبو نعيم في الحلية في حديث طويل أوله يا معاذ إن المؤمن لدى الحق أستر يعلم أن عليه رقباء على سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وبطنه وفرجه .... ) وفيه يا معاذ إن المؤمن ليسئل يوم القيامة عن جميع سعيه حتى عن كحل عينيه يا معاذ إني أحب لك ما أحب لنفسي الحديث».