قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٥٦

207

قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر

ولا تحسب أن الجاهل فيما يقدر على تعلمه يعذر بجهله هيهات طلب العلم فريضة على كل محتمل ولهذا كانت ركعتان من عالم أفضل من ألف ركعة من غير عالم؛ لأنه يعرف ما ذكرناه من آفات الأعمال فيتقيها والجاهل لا يعرفها فكيف يحترز منها؟ بل لا يزال الجاهل في تعب والشيطان منه في فرح وشماتة فنعوذ بالله من الجهل والغفلة فهو رأس كل شقاوة. فالواجب على العبد أن يستضيء بنور الدين في كل خطرة، ونازلة نزلت به، فإن لم يعرفها فليسئل علماء الدين المقبلين على الآخرة، وليفر من علماء السوء المقبلين على الدنيا الأسد بل أشد، فالقلوب المظلمة بحب الدنيا محجوبة عن الله تعالى؛ فإن مستقر أنوار القلوب حضرة الربوبية فكيف يستضيء بها من استدبرها وأقبل على الدنيا، والتكالب فيها، وقد قال عليه السلام: من قارف ذنباً فارق عقلاً لا يعود إليه أبداً وحب الدنيا رأس كل خطيئة (1).

فراره من

وقد قال عليه السلام: إن الله يحب البصير الناقد عند ورود الشبهات (2).

والعقل الكامل عند هجوم الشهوات أو معرفة آفات الأعمال، قد اندرست من قديم الزمان، فكيف هذه الأعصار، فإن الناس قد هجروا هذا العلم قديماً واشتغلوا بفقه طلب [494] المعاش وعلم فصول الخصومات والمسائل الطبوليات وأمّا / اليوم فقد هجروا جميعاً فأصبحوا في ظلمة لا يعمهون في أعمال الدنيا والدين والحمد لله رب العالمين.

النظر الثاني: للمراقبة عند الشروع في العمل، وذلك أن تفقد حسن النية له، وكيفية أدائه على أكمل ما أمكنه، وهذا لازم له في جميع أحواله؛ فإنه لا يخلو فيها من حركة وسكون، فإذا راقب الله في جميع ذلك قدر على عبادته فيه بالنية وحسن الفعل، وذلك أنه لا يخلو إما أن يكون في طاعة فيراقبها بالإخلاص ومراعاة الأدب وحراستها عن الآفات، وإما في معصية فيراقبها بالتوبة والندم والاشتغال بالفكر والحياء منها، وإما في مباح فيراقبه بمراعاة الأدب وشكر المنعم على نعمته فيها، وكل ذلك إنما يمكن بصبر ساعة واحدة، فإن الساعات ثلاث: ساعة مضت لا تعب على العبد فيها كيف ما انقضت، وساعة مستقبلة لا يدري أيدركها أم لا، والساعة التي هو فيها فيجاهد نفسه، وليراقب ربه قبل انقضائها فإن عاش إلى الساعة المستقبلة لم يتحسر على التي جاهد فيها، وليستوف حق الثانية كما استوفى حق الأولى، ولا يطول عمره

(1) قال الحافظ العراقي في المغني (614/ 4) طبعة دار الحديث: لم أجده. (2) قال الحافظ العراقي في المغني (614/ 4) طبعة دار الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث عمران بن حصين وفيه حفص بن عمر العدني ضعفه الجمهور.