قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٥٧

قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر

خمسين

457

سنة فتطول عليه المجاهدة والمراقبة بل يكون ابن وقته، ولعله في آخر أنفاسه فيدركه الموت على حالة مرضية، ولتكن جميع أحواله مقصورة على ما روي من حكم داود النبي عليه

السلام.

وعلى العاقل أن تكون أربع ساعات ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر في صنع الله تعالى، وساعة يخلو فيها للمطعم والمشرب، فإن في هذه الساعة عوناً له على الساعات.

ولا ينبغي أن يغفل فيها أيضاً عن أفضل الأعمال وهو الذكر والفكر فإن الطعام الذي يتناوله فيه من العجائب ما لو تفكر فيه كان أفضل من كثير أعمال الجوارح فإن الناس فيه على

أربعة أقسام: قسم ينظرون فيه بعين البصيرة فيتفكرون في عجائب صنعه وهم ذووا الألباب، وقسم ينظرون فيه بعين المقت / والكراهة فيتناولون مضطرين يودون أن لو كانوا فيه بالشهوة [495]

مقهورين وهم الزاهدون، وقسم يرونه صنعة للصانع، ويترقون منه إلى صفات الخالق فينفتح لهم بسببه زيادة في محبته وهم العلماء بالله المحبون له وقسم رابع ينظرون إليه بعين الحرص والرغبة فيتأسفون على ما فاتهم منه، ويفرحون بما حضر من جملته، ويذمون منه مالاً يوافق طبائعهم ويعيبون الطبخ وطابخه ولا يعلمون أن الفاعل للطبخ والطبّاخ هو الله تعالى المسخر للجميع وبقدرته وعلمته وأن من عاب الصنعة فقد عاب الصانع، فهذه المرابطة الثانية بمراقبة الأعمال على الدوام، وشرح ذلك يطول.

الفصل الثالث في محاسبة النفس بعد العمل

(1) ،

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} (1).

وهذه إشارة إلى المحاسبة على ما مضى من الأعمال، وقال ميمون بن مهران: لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة، شريكه والشريكان يتحاسبان بعد العمل وكان عمر يضرب قدميه بالدرة إذا جنه الليل ويقول لنفسه: ماذا عملت اليوم؟

وقال الحسن: المؤمن قوام على نفسه يحاسبها الله، وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، ثم فسّر المحاسبة فقال: إن المؤمن يفجأه الشيء فيعجبه فيقول: إنك لتعجبني، وإنك لمن حاجتي، ولكن هيهات حيل بينك وبيني وهذا حساب قبل العمل، ثم قال: ويفرط منه الشيء فيرجع على نفسه يقول: ما أردت بهذا والله لا أعود لهذا أبداً إن شاء الله.

(1) سورة الحشر، الآية: 18.