الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٦٢462
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
وعقابه، فنهاره، صائم وليله، قائم قد أسهره ذكر النار، ومسائلة الجبار فذلك هو الراهب، وأما أنا فكلب عقور حبست نفسي في هذه الصومعة من الناس لئلا. اغفرهم. فقلت يا راهب فما الذي قطع الخلق عن الله بعد إذ عرفوه؟ فقال: يا أخي لم يقطع الخلق عن ا الله إلا الدنيا وزينتها؛ لأنها محل المعاصي والذنوب فالعاقل من رمى بها عن نفسه، وتاب إلى الله من ذنبه وأقبل على ما يقربه من ربه.
حب
منهم
وحكايات المجتهدين من الرجال والنساء غير محصورة تركتها مخافة التطويل، فمن أرادها فالكتب مملوءة بها، وفيما ذكرناه كفاية لمن أراد أن يعرف أهل زمانه من أهل الاجتهاد الماضين، وبعد أهل زمانه عن صفات أهل الدين، فإن حدثتك نفسك بالنظر إليهم دون الأئمة الماضية، وقالت: إنما تيسر الخير في تلك الأزمنة لكثرة الأعوان على الخير، فإن خالفت أهل زمانك رأوك مجنوناً وسخروا منك فوافقهم فيما هم عليه فلا يجري عليك إلا ما يجري عليهم، والمصيبة إذا عمت طابت فقل لها: أرأيت لو هجم سيل يغرق الناس ولم يحذوره جهلاً. [502] بحقيقة الحال، وقدرت على / ركوب سفينة تنجو بها دونهم فهل تختلج في نفسك أن المصيبة إذا عمت طابت أم تترك موافقتهم وتستجهلهم في صنيعهم وتأخذ حذرك وتنجو مما دهاك، فإذا كنت تفعل خوفاً من غرق ساعة فعذاب الآخرة أشد وأبقى، فلم لا تهربين منه وأنت متعرضة له في كل حال؟ ومن أين تطيب المصيبة إذا عمت؟ ولأهل النار شغل شاغل عن الالتفات إلى العموم والخصوص، ولم يهلك الكفار إلا بموافقتهم أهل زمانهم حيث قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة .... الآية.
فعليك بموافقة نفسك وتوبيخها واحملها على الاجتهاد وقرعها بسوء نظرها لنفسها
لعلها تتزجر عن طغيانها وبالله التوفيق.
الفصل السادس في توبيخ النفس ومعاتبتها
اعلم أن أعدى عدو لك نفسك التي بين جنبيك، وقد خلفت أمارة بالسوء حيالة إلى الشر، نافرة عن الخير وأمرت بتزكيتها وقودها بسلاسل القهر إلى عبادة خالقها، ومنعها عن شهواتها، فإن أهملتها جمحت ولم تقدر بعد ذلك عليها وإن لازمتها بالتوبيخ والمعاتبة كانت هي النفس اللوامة التي أقسم الله بها ورجوت أن تصير النفس المطمئنة المدعوة إلى الدخول في زمرة عباد الله راضية مرضية. فلا تغفلن عن تذكيرها ولا تشتغل بوعظ غيرك ما لم تشتغل بوعظ نفسك، فقد أوحى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم عليه السلام: يا ابن مريم نفسك فإن اتعظت فعظ نفسك، وإلا فاستح مني، وقال تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ
الآن
عظ