الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٦٣قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
463
الْمُؤْمِنِينَ (1). وسبيلك أن تقبل عليها فتعرفها جهلها وحماقتها فإنها تتعزز بفطنتها وهدايتها استنكافاً وأنفة إذا نسبت إلى الحمق فتقول لها: / ما أعظم جهلك تدّعين الحكمة والذكاء [503] والفطنة وأنت أشد الناس غباوة وجفاء أما تعرفين ما بين يديك من الجنة والنار وأنت صائرة إلى أحدهما على القرب فما لك تضحكين وبين يديك هذا الخطر العظيم الجسيم، وعساك اليوم تخطفين أو غداً فأراك ترين الموت بعيداً ويراه الله قريباً أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب وأن البعيد ما ليس بات أما تعلمين أن الموت يأتي بغتة من غير تقديم رسول ولا مواعدة، وإنه لا يأتي في زمان دون زمان ولا في حالة من العمر دون حالة بل كل نفس من الأنفاس يمكن أن يأتي فيه الموت فجأة، وإن لم يأت فجأة فالمرض يأتي فجأة فيفضي بك إلى الموت فما لك تستبعدين الموت وهو أقرب إليك من كل قريب.
أما تتدبرين قول الله تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابَهُمْ. به الآية إلى قوله: ولاهية
(2)
قُلُوبُهُمْ) (2).
ويحك يا نفسي كيف تجرأت على معصية الله إن اعتقدت أن الله لا يراك فما أعظم كفرك، وإن علمت بإطلاعه عليك فما أقل حياءك، ويحك لو راجعك عبد من عبيدك بل أخ من إخوانك بما تكرهين كيف كان غضبك عليه ومقتك له فبأي جسارة تتعرضين لمقت ربك وغضبه وشديد عقابه؟ أتظنين أنك تطقين عذابه فإن ظننت ذلك فاحبسي نفسك في الشمس أو في الحمام ساعة أو قربى اصبعك من النار ليبين لك قدر طاقتك أم تغترين بكرم الله وفضله واستغنائه عن طاعتك فما لك لا تعوّلين على كرمه في مهمات دنياك من دفع الأعداء، وتحصيل الحاجات بلا سبب منك حتى / يبعث لك جنداً يدفع عنك ويظهر لك كنزاً فتستغني | به عن كسبك، أفتحسبين أن الله كريم في الآخرة لا في الدنيا وقد علمت أن سنة الله لا تبديل لها وأن ليس للإنسان إلا ما سعى؟
ويحك ما أبين نفاقك ودواعيك الباطلة تدعمين الإيمان بلسانك وأثر النفاق ظاهر عليك ألم يقل مولاك {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا) (3). وقال: في أمر الآخرة وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (8).
[504]
(1)
(2)
سورة الذاريات، الآية: 55.
سورة الأنبياء، الآيات: 1، 2، 3.
(3) سورة هود، الآية: 6.
(4) سورة النجم، الآية: 39.