قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٦٤

464

قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر

فقد تكفل لك بأمر الدنيا، ووكل أمر آخرتك إلى سعيك فكذبته بأفعالك بتكالبك على الدنيا وإعراضك عن الآخرة.

ويحك لو كان الإيمان باللسان يغني دون الأفعال فلم كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار؟ ويحك كأنك لا تؤمنين بيوم الحساب أو تحسبين أن تترك سدّى ألم تكونين نطفة من مني تمنى ثم كنت علقة فخلق فسوى، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟

فإن كان هذا إضمارك فما أكفرك وأجهلك، أما تتفكرين مماذا خلقك بل من نطفة خلقك ثم السبيل يسرك ثم أماتك فأقبرك أفتكذبينه في قوله ثم إذا شاء أنشرك فإن لم تكوني مكذبة فما لك لا تأخذين حذرك، ولو أن يهودياً أخبرك عن الذي أطعمتك بأنه يضرك في مرضك لصبرت عنه، وتركته أفكان قول الأنبياء المؤيدين بالمعجزات وقول الله تعالى في كتبه المنزلات أصدق عندك من قول يهودي يخبرك عن حدس وتخمين.

فالعجب ولو أن صبياً أخبرك عن عقرب في ثوبك لرميت به في الحال من غير مطالبة له

من

على ذلك ببرهان أفكان قول الأنبياء، والعلماء والحكماء، وسائر الأولياء أصدق عندك. [505] جملة الأغبياء أو صار حر جهنم مع أصناف عذابها أحقر عندك من عقرب / ما هذه أفعال العقلاء بل لو انكشف للبهائم حالك لسخرت منك ومن عقلك، فإن كنت عرفت ذلك وآمنت به فما لك لا تستوفين العمل والموت لك بالمرصاد ولعله يقصدك من غير مهل؟

هب أنك وعدت بالإمهال مائة سنة، أفتظنين من يطعم الدابة في حضير أسفل العقبة يفلح أو يقدر على قطعها فما أعظم جهلك إن ظننت ذلك، أرأيت لو أن رجلاً سافر بلا نفقة فأقام متعطلاً في أرض غربة سنين، يعد نفسه بالنفقة في السنة الأخيرة من رجوعه إلى وطنه، هل كنت تضحكين من. عقله؟

هب أن الجد آخر العمر نافع فلعلك في آخر يوم منه، فلم لا تشتغلين فيه بذلك؟ فإن أوحى إليك بالإمهال فما المانع لك من المبادرة هل له سبب إلا عجزك عن مخالفة هواك؟ أفتظنين يوماً يأتيك لا يعسر فيه مخالفة هواك، هذا يوم لم يخلقه الله قط، ولا تكون الجنة قط إلا محفوفة بالمكاره فإذا أنت عجزت عن مخالفة الشهوة اليوم، فأنت في غد أعجز وأعجز، وهل الشهوة إلا كالشجرة الراسخة التي يريد الإنسان قطعها وهو شاب قوي، فأخرها إلى سنة أخرى وقد علم أن الشجرة تزيد بطول المدة في الأرض رسوخاً، ويزيد القاطع بذلك ضعفاً وهرماً، فما لا يقدر عليه في الشباب لا يقدر عليه في الضعف والهرم.