قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٦٥

قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر

465

فإن كنت تفهمين هذا وتركنين إلى التسويف فمالك تدعين الحكمة؟ وأي حماقة تزيد

على هذه الحماقة؟ ولعلك تقولين: ما يمنعني عن الاستقامة إلا لذة شهوتي، وقلة صبري عن

مخالفتها، فما أقل اعتذارك؟ فإن كنت صادقة فاطلبي التنعم بالشهوات الصافية أبد الآباد في الجنة، وما قولك في عقل مريض أشار عليه بترك شرب الماء. / ليصح ويتهناه طول العمر، [506]

من

وحذره إن شربه مرض طول العمر، فجميع عمرك في طول نعيم الدنيا وطول عذاب النار أقل ثلاثة أيام بالإضافة إليه، فالصبر على مخالفة الشهوة أيسر من طول العذاب، وفوات النعيم، فما هذا إلا ضعف الإيمان بالثواب والعقاب، وبهذا الجهل تستحقين صفة الحماقة في قول النبي الكيس من دان نفسه وعمل ما بعد الموت والأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني (1).

ويحك لا تغرنك الحياة الدنيا ولا يغرنك بالله الغرور فانظري لنفسك ولا تضيعي أوقاتك، فإن الأنفاس معدودة فإذا مضى نفس فقد مضى بعضك، فاغتنمي الصحة قبل السقم، والفراغ قبل الشغل، والغنى قبل الفقر، والشباب قبل الهرم، والحياة قبل الموت، واستعدي للآخرة على قدر بقائك فيها، كما تستعدين للشتاء بقدر طول المدة الحطب والطعام والكسوة، أفتظنين أن زمهرير جهنم أخف برداً وأقصر مدة من الشتاء؟ أم تظنين أن العبد ينجو منها بغير عمل؟ هيهات كما لا يندفع برد الشتاء إلا بالحطب والكسوة وكذلك حر النار لا يندفع إلا بأسباب من حسن التوحيد والطاعات، وإنما كرم الله لك في أن عرفك أسباب التحصين منها بالطاعات كما أن كرمه في دفع برد الشتاء فإن عرَّفك الصناعات وخلق لك النار والحطب والهمك استخراجها من الأحجار حتى يندفع بها البرد، وكذلك ألهمك طريق النجاة فمن أحسن فلنفسه) ومن أساء فعليها والله غني عن العالمين.

ويحك فسيء آخرتك بدنياك كما بدأنا أول خلق نعيده ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ما أراك

أحوال: عن

القيامة. يوم

إلا ألفت / الدنيا، أنك غافلة هب أما إنك مؤمنة بالموت المفرق بينك وبين محابك؟ أفترين أن من يدخل من باب دار ملك ويخرج من الجانب الآخر، وثم يستغرق قلبه بعشق جارية فيها وهو مضطر إلى مفارقتها

(1) قال الحافظ العراقي في المغني (515/ 2) طبعة دار الحديث أخرجه الترمذي وقال: حسن وابن ماجه من حديث شداد بن أوس قال المحقق: أخرجه الترمذي (2459) ابن ماجه (4260) وأحمد (124/ 4). والحاكم (57/ 1). وقال صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. قال الذهبي تعليقاً عليه: لا والله أبو بكر واه وذكره الألباني في ضعيف الجامع (4310) وقال ضعيف.

قناطر الخيرات/ ج 3/ م 30

[o.V]