قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٦٦

466

أبعد

قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر

من العقلاء أم من الحمقاء، فالدنيا دار ملك الملوك، وكل من فيها ضيف مجتاز، وما في يده عارية مردودة على صاحبها، أما سمعت قول سيد المرسلين: «إن روح القدس نفث في روعي أحبب من شئت فإنك مفارقه وعش ما شئت فإنك ميت واعمل ما شئت فإنك مجزى به. فكل من ألف ملاذ الدنيا واستكثر منها فإنما يستكثر من الحيرة، ويتزود من السم المهلك عند مفارقته إياها، أما تنظرين إلى الماضين كيف بنوا وأعلوا وذهبوا وخلوا؟ فهل حمق أعظم ممن يعمر دنياه، وهو مرتحل عنها ويخرب آخرته وهو صائر إليها قطعاً.

أما تستحين من مساعدة الحمقاء المنكبين على الدنيا؟ وهب أنك تؤثرين الاقتداء، فقس عقول أهل الدنيا بعقول الأنبياء والحكماء، واقتد بأعقل الفريقين ولعلك أسكرك حب الجاه. وهب أن كل من على بساط الأرض سجدوا لك أما تعرفين أن بعد خمسين سنة لا تبقى أنت ولا أحد من أولئك أما سمعت عن الملوك الذين قبلك فكيف تبيع ملكاً يبقى أبد الآباد بملك لا يبقى أكثر من خمسين سنة، إن بقي مع كدورته بأنواع المصائب واحتفاف الحساد، والأعداء به من كل جانب.

فما لك تفرحين بدنيا إن ساعدتك. مع رذالتها وخسة شركائك فيها من اليهود والنصارى والغوغاء والسفهاء، وترغب أن تكوني في زمرة الصديقين والشهداء والصالحين في الدنيا، وفي جوار رب العالمين في العقبي.

ويحك فمن ذا الذي يصلي عنك ويصوم بعد الموت، مالك إلا أياماً معدودة وهي 50] بضاعتك / وقد ضيعت أكثرها ويحك أما تعلمين أن الموت موعدك، وأن القبر بيتك، والتراب فراشك والفزع الأكبر بين يديك؟ أما علمت أن عسكر الموتى على باب بلدك وقد حلفوا بالأيمان المغلظة أنهم لا يرحلون حتى يأخذوك؟ أما تعلمين أنهم يتمنون الرجعة إلى الدنيا ليتداركوا ما فرطوا وأننا في أمنيتهم ويوم من عمرك لو بيع منهم بالدنيا كلها لاشتروه لو قدروا وأنت ضيعته في البطالة، ويحك أما تستحين؟

تتزينين بظاهرك للخلائق وتبارزين الله في السر بالعظائم تذكرين بالله وأنت له ناسية، تأمرين الناس بالخير وأنت متلطخة بالرذائل، ولو عرفت نفسك حق المعرفة، ظننت أن الناس لا يصيبهم بلاء إلا من أجلك ويحك قد جعلت نفسك حماراً لإبليس يقودك حيث يشاء ويريد، هذا فتعجبين بعملك مع كثرة خطاياك وقد لعن الله إبليس بخطيئة واحدة بعد أن عبده ثمان ألف سنة أو ما شاء الله، وأخرج آدم من الجنة بخطيئة واحدة مع كونه صفيه ولن ينجو إلا

ومع