الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٦٨468
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
عذابك ينقذني، أو بحبل من اعتصم إن قطعت حبلك عني واسوأتاه من الوقوف بين يديك غداً إذا قيل للمخفين جوزوا وللمثقلين حطوا أمع المخفين أجوز أم مع المثقلين أحط، ويلي كلما كبرت سني كثرت ذنوبي ويلي كلما طال عمري كبرت معصيتي إلى كم أتوب وإلى كم أعود أما آن لي أن استحي من ربي.
وعن وهب بن منبه قال لما أهبط الله آدم عليه السلام من الجنة إلى الأرض مكث لا ترقى له دمعة فاطلع الله عليه في اليوم السابع وهو محزون كتيب كظيمن منكس رأسه، فأوحى الله إليه: يا آدم ما هذا الجهد الذي أرابك فقال: يا رب عظمت مصيبتي وأحاطت بي خطيئتي، وأخرجت من ملكوت ربي فصرت في دار الهوان بعد الكرامة وفي دار الشقاء بعد السعادة، وفي دار النصب بعد الراحة وفي دار البلاء بعد العافية وفي دار الزوال بعد القرار، وفي دار الفناء والموت بعد الخلود والبقاء، فكيف لا أبكي على خطيئتي فأوحى الله تعالى إليه: يا ابن آدم ألم أصطفك لنفسي واحللتك داري، وخصصتك بكرامتي وحذرتك سخطي، ألم أخلقك بيدي، ونفخت فيك من روحي وأسجدت لك ملائكتي فعصيت أمري، ونسيت عهدي، وتعرضت لسخطي فوعزتي لو ملأت الأرض مثلك كلهم رجالاً يعبدونني، ويسبحونني، [511] فعصوني / لأنزلتهم منازل العاصين فبكى عند ذلك آدم ثلاثمائة عام.
فهذه طريقة القوم في مناجاة مولاهم وفي معاتبة أنفسهم وإنما طلبهم بالمناجاة للاسترضى، ومن المعاتبة التنبيه والاستدعاء، فمن أهل المعاتبة والمناجاة لم يكن لنفسه مغاضباً، ويوشك أن يكون الله له يوم القيامة معاتباً، والله أعلم.
فصل
فعليك أيدك الله بتوبيخ نفسك، وحقارة عملك، وتعظيم نعمة الله عليك، فإذا فعلت ذلك، وقع فعلك من الله تعالى موقع الرضى والقبول وصارت له قيمة لا نهاية لشرفها، إذ بسببه تستوجب النعيم والملك العظيم وإلا صار سعيك مثبوراً، وعملك مردوداً، محقوراً ألا ترى إلى الأجير يعمل طول النهار، والحارس يحرس طول الليل بدرهمين وكذلك أصحاب الصناعات والحرف يعمل الواحد منهم الليل والنهار فيكون قيمة عمله دراهم معدودة، فإن صرت الفعل إلى الله تعالى فصمت له يوماً قال: {إِنَّمَا يُوفَّى الْصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب (1). وقال: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على
(1) سورة الزمر، الآية: 10.