الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٦٩قنطرة الاجتهاد مخافة الخاتمة وذكر الموت والقبر سوء
879
قلب بشر (1). فهذا يومك الذي قيمته در همان مع احتمال التعب العظيم صار له هذه القيمة بتأخير غداء إلى عشاء، ولو قمت ليلة الله تعالى: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرةِ أَعْيُن) (2). فهذا الذي قيمته دانقان أو درهمان صارت له هذه القيمة العظيمة.
شرف من
فحق إذاً على العبد أن يرى حقارة عمله من حيث هو، وأن لا يرى إلا منة الله عليه فيما عمله وأعظم من جزائه، وأن يحذر على فعله من أن يقع على وجه لا يصلح الله ولا يرضاه فتذهب عنه القيمة ويعود إلى ما كان عليه في الأصل من الثمن الحقير من دراهم / أو [512] دوانيق أو أخس من ذلك ومثاله أن عنقود العنب قيمته دانق فإذا أهداه أحد إلى الملك فيقع منه موقع الرضى فيهب له عليه ألف دينار وإذا لم يرضه ورده رجع إلى قيمته الأولى فذلك ما نحن عليه فتنبه وأبصر منة الله تعالى وصن فعلك عما يشينه عند الله عز وجل وأيضاً أما تعلم أن الملك في الدنيا إذا أجرى على أحد جراية من طعام أو كسوة أو دراهم أو دنانير معدودة فانية، فإنه يستخدمه ويستعمله بضروب الخدمة الليل والنهار، وربما ظهر له عدو فيحتاج لقتاله فيبذل له روحه التي لا خلف لها لأجله فربك الذي خلقك فسواك ثم أنعم عليك من النعم الظاهرة والباطنة ما لا يبلغ كنهها وهمك، ثم إنك تصلي ركعتين مع ما فيهما. من المعائب ومع ما وعد عليهما في المستقبل من حسن الثواب فتستعظم ذلك منك وتعجب به فليس هذا من شأن عاقل إذا نظرت فهذه هذه.
مقاماً
وأيضاً فإن الملك الذي من شأنه أن تخدمه الملوك والكبراء، ويطلب مدحته العلماء والحكماء إذا أذن لسوقي برأفته عليه أن يزاحم على بابه أولئك الكبراء في خدمته، ويجعل له من حضرته وكرامته وينظر إلى خدمته المعيوبة بعين الرضى أليس يقال: لقد عظمت على هذا الحقير المنة من الملك فإن أخذ هذا الحقير يمن على الملك خدمته ويعجب بها، أليس يقال أن هذا السفيه جداً أو مجنون لا يعقل شيئاً، وأيضاً فإن إلهنا الذي يسبح ا له السموات والأرض ومن فيهن من الملائكة الروحانيين والكروبيين وسائر الملائكة المقربين، والأنبياء والمرسلين في مراتبهم الشريفة وعبادتهم الجليلة، ثم من العلماء والأئمة الأبرار والزهاد في خدمتهم الخالصة وأذل الخدام / على بابه.
ملوك الدنيا يخرون له ساجدين فمع هذه العظمة والكمال قد أذن لك في حقارتك وجلاله أن تعبده وترفع إليه حوائجك، ثم أنه يرضى ركعتيك في عيوبها، وأعد لك عليهما
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (476/ 4) طبعة دار الحديث أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة.
(2) سورة السجدة، الآية: 17.
[513]