قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٧٠

470

قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر

ثواباً لا نهاية له، فتستعظم ذلك منك وتمنه على ربك، فما أسوأك من عبد، وما أجهلك من إنسان، والله المستعان وإليه المشتكى من هذه النفس الجاهلة.

وأيضاً إذا أذن الملك الأعظم بإدخال الهدايا من الجواهر الثمينة والأموال الجليلة من الأمراء والكبراء، فإن جاء بقال بدستجة بقل أو قروي بسلة عنب تساوي دانقاً فيزاحم الأمراء الملك والأغنياء بهداياهم، فإذا قبل من هذا الحقير هديته، وأمر له بخلع نفيسة وكرامة بالغة، أليس ذلك من الملك غاية الكرم والفضل، فإذا أخذ هذا الحقير يمن على الملك بهديته الحقيرة وينسى منته العظيمة أليس ذلك منه غاية الجهل والحماقة.

فالآن إذا صليت ركعات فتفكر كم صلى الله تعالى في تلك الساعة في أقطار الأرض والسماوات من الملائكة والصديقين والأنبياء والصالحين من عبادة صالحة بقلوب صافية، وركعاتك إذا بذلت المجهود فيها إنما صدرت عن قلب غافل مختلط بأنواع العيوب، وبدن نجس بأقذار الذنوب، ولسان متلطخ بأنواع المعصية والفضول، فكيف تصلح أن تحمل إلى تلك الحضرة وتهدي إلى رب العزة؟ وانظر أيها العاقل هل وجهت قط صلاة من صلواتك كما توجه مائدة منك إلى بيوت الأغنياء قال: وكان أبو بكر الوراق يقول: ما فرغت قط من صلاة [514] إلا استحييت حين فرغت منها أشد حياء من امرأة / فرغت من الزني، ثم إن الرب سبحانه بمحض كرمه وفضله عظم هذه الركعات ووعد عليها جزيل الثواب وأنت عبده وفي جرايته، وعملت ذلك بتوفيقه ثم بعد ذلك تعجب بعملك، وتنسى منة الله عليك، هذا والله أعجب العجب لا يكاد يذهب مثله إلا عن جاهل لا فكر له، فنسأل الله الكفاية بمنه.

فصل

فانتبه من رقدتك أيها الغافل، وإلا كنت من الخاسرين فإن هاتين القنطرتين أشد القناطر إليهما تنتهي ثمرة ما مضى من القناطر إذ هما قنطرة العمل وآفاته والشكر وثمراته، وإن سلمت غنمت وربحت وإلا فقد ضاع السعي كله وبطل العمر، وخاب الأمل.

واعلم أنك كلما صرت أقرب فأمرك أخوف وأصعب، والمعاملة أشد وأدق، والخطر عليك أعظم؛ فإن الشيء كلما كان أبلغ علواً إذا انقلب كان أصعب وقوعاً، كما قيل: ما طار طير فوقع، إلا كما طار وقع، فإذن لا سبيل إلى الأمن وإغفال الشكر قال: وكان إبراهيم بن

(1).

أدهم يقول: كيف تأمن وإبراهيم الخليل يقول: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ (1).

(1) سورة إبراهيم، الآية: 35.