الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٧١قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
ويوسف عليه السلام يقول: (تَوَفَنِّي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (1).
471
وقال بعضهم: تأملت سفياناً الثوري فبكى الليل أجمع فقلت: بكاءك هذا على الذنوب. قال: فحمل تبناً. فقال: الذنوب أهون على الله من هذا إنما أخشى أن يسلبني
الإسلام.
قال الغزالي: وسمعت أنا بعض العارفين يقول: إن بعض الأنبياء سأل الله تعالى عن أمر بلعام بن باعوراء وطرده بعد تلك الآيات والكرامات فقال الله له: لم يشكرني يوماً من الأيام على ما أعطيته ولو شكرني على ذلك مرة لما سلبته، فتيقظ أيها الرجل واحتفظ / بذكر الشكر [515] جداً وأحمد الله على منته في الدين أعلاها الإسلام وأدناها مثلاً توفيق تسبيح أو عصمة من كلمة لا تعنيك عسى أن يتم نعمته عليك ولا يبتليك بمرارة الزوال، فإن أمر الأمور وأصعبها الإهانة بعد الإكرام، فكلما أغفلت شكره، أو اقترب عاودت واجتهدت، وتضرعت، وقلت: يا الله يا مولاي كما بدأت بالإحسان بفضلك قبل الاستحقاق فأتممه أيضاً بفضلك من غير استحقاق، وتناديه نداء الأولياء، المستغيثين الذين مدوا إليه الأكف مبتهلين ونادوا في الخلوات مستصرخين: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبَ لَنَا مِنْ لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ
الْوَهَّابُ (2).
قال الغزالي والله أعلم: تقديره إنا وجدنا منك نعمة فطمعنا في أخرى أنت الجواد الوهاب، فكما وهبت منة الإنعام في الابتداء فهب لنا منة الاتمام في الانتهاء أما تسمع ويحك؟ إن أول دعاء علمه رب العالمين عباده المسلمين هذا الدعاء: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (3): أي ثبتنا عليه وأدمه لنا هكذا تضرع إليه فإن الخطر عظيم.
وقد قيل: أن الحكماء نظروا وأفردوا مصائب العالم ومحنهم إلى خمس: المرض في الغربة، والفقر في الشيب والموت في الشباب والعمى بعد البصر، والنكرة بعد المعرفة، وأحسن من ذلك قول من: قال:
لكل شيء إذا فارقته عوض وليس الله إن فارقت من عوض
آخر:
(1) سورة يوسف، الآية: 101. (2) سورة آل عمران، الآية: 8. (3) سورة الفاتحة، الآية: 6.