الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٧٤474
قنطرة الاجتهاد مخافة سوء الخاتمة وذكر الموت والقبر
وذكر عنده عليه السلام رجل فأحسنوا في الثناء عليه فقال: «كيف كان ذكر صاحبكم للموت؟ قالوا: وما كنا نكاد نسمعه يذكر الموت، فقال: إن صاحبكم ليس هناكم (1). وعن الحسن أنه قال: فضح هذا الموت الدنيا فلم يترك لذي لب فرحاً، وقال كعب: من
عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا وهمومها.
وشكت امرأة إلى عائشة قساوة قلبها فقالت: أكثري ذكر الموت يرق قلبك ففعلت فرق
قلبها فجاءت تشكر عائشة رحمة الله عليها.
وقيل: أن عيسي
عليه السلام إذا ذكر عنده الموت تقطر جلده دماً، وقيل: أن داود عليه
السلام إذا ذكر الموت والقيامة بكى حتى تنخلع أوصاله.
اعلم أن الناس في ذكر الموت على ثلاثة أصناف أحدهم: المنهمكون في الدنيا فلا [18] يزيدهم ذكر الموت من الله إلا بعداً لأنهم بذكره / يتأسفون على الدنيا، فهم الذين قال الله فيهم: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ. … ) (2) الآية.
الثاني: التائب المخلص يزيده ذكر الموت خوفاً وخشية وربما يكره الموت خوفاً أن يفاجأه قبل تمام التوبة والاستعداد للآخرة، الثالث: العارف بالله الذي أحبه فاشتاق إليه فهذا يتمنى الموت ضجراً من الدنيا وشوقاً إلى لقاء حبيبه كما قال حذيفة رحمه الله: لما احتضر مرحباً بزائر جاء على فاقة لا فرح من ندم ففي ذكر الموت ثواب وفضل، وإن كان الإنسان منهمكاً في الدنيا؛ لأنه يستفيد به تنقيص نعيم الدنيا، وتكدير عيشها فكل ما يكدر على الإنسان اللذات فهو من أسباب النجاة والله أعلم.
فائدة: اعلم أن أنفع دواء للقلب بذكر الموت هو التفكر للإنسان في أقرانه الذين مضوا فيذكر مصرعهم تحت التراب وكيف تبددت أجزاؤهم في القبور؟ وكيف أرملوا نساءهم، وأيتموا أولادهم وتعطلت منهم المجالس والقصور، فمهما ذكر رجلاً منهم أحضر في قلبه صورته وكيفية أحواله وأعماله وتصرفه وآماله ونسيانه الموت وانخداعه بموتات الأسباب، حتى جاء الموت في وقت لم يحتسبه فعند ذلك يتفكر أنه مثلهم، وغفلته كغفلتهم، وستكون عاقبته كعاقبتهم فملازمة هذه الأفكار وأمثالها مع دخول المقابر، وحضور الجنائز، وعيادة المرضى،
(1) قال الحافظ العراقي في المغني (46/ 5) طبعة دار الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الموت من حديث أنس بسند ضعيف وابن المبارك في الزهد قال: أخبرنا مالك بن مغول فذكره بزيادة فيه. (2) سورة الجمعة، الآية: 8.
: