الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣٦120
قنطرة العلم
ثم انظر إلى الذين عرّضوا أنفسهم لإحياء الدين، وإقامة الفتوى بزعمهم من أهل زمانك، حتى تعرف أحوال السلف الصالح من أهل زمانك، فإذا كان العالم في توسم المتعلمين بهذه الصفة، وكان بقدر استحقاقهم خبيراً لم يضع له عناء ولم يخب على يده متعلم، وإن لم يتوسمهم وخفيت عليه أحوالهم، ومبلغ استحقاقهم كانوا وإياه في عناء مكدّ، وتعب غير مجد، لأنه لا يعدم أن يكون فيهم ذكي يحتاج إلى الزيادة، وبليد يحتاج إلى القليل فيضجر الذكي، ويعجز البليد.
ومتى تردد أصحابه بين ضجر وعجز ملوه وملهم ولذلك قيل: كِلْ لِكُلِّ عبد بمكيال عقله، وزن له ميزان علمه حتى تسلم منه وينتفع بك، وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار، ينبغي أن يقتصر العالم بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقى إليه ما لا يبلغه عقله فينفر منه، ولكن يقتدي بصاحب الشرع له حيث قال: نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ونخاطب الناس على قدر عقولهم (1).
فلذلك
/ فإن كان المتعلم ممن يستقل بفهم الحقائق فليلقها إليه وإلا اقتصر على ما يفهمه. وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «ما من رجل يحدث قوماً بما لم تبلغه عقولهم
إلا كان فتنة على بعضهم.
وفي حديث علي إشارة إلى صدره فقال: هاهنا علوماً جمة لو وجدت لها حملة، وصدق فقلوب الأبرار قبور الأسرار.
وقال النبي عليه السلام كلموا الناس بما يعرفونه ودعوا ما ينكرونه، أتريدون أن
يكذب الله ورسوله».
وعنه عليه السلام أنه قال: من وضع الحكمة في غير أهلها جهل، ومن منعها من أهلها
ظلم، إن للحكمة حقاً، وإن لها أهلاً فاعط كل ذي حق حقه».
وفي لفظ آخر: «كونوا كالطبيب الرفيق يضع الدواء موضع الداء» فلا ينبغي للعالم أن يفشي كل ما يعلمه إلى كل أحد هذا إذا كان من يفهمه من الناس وكان أهلاً لذلك العلم. والذي ينبغي للعالم أن لا ينشر للمتعلم رخص الفتاوى والمسائل إلا إذا كان مأموناً
(1) قال العراقي في المغني: (57/ 1): رويناه في جزء من حديث أبي بكر بن الشخير من حديث عمر منه وعند أبي داود من حديث عائشة: أنزلوا الناس منازلهم. . . . . .
أخصر
8/ 126]