الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٥٢136
قنطرة العلم
الحق ترك رأيه وأفتى بما ظهر له كما كان يفعله الصحابة والأئمة.
وأما من ليست له رتبة الاجتهاد، وهو حكم أهل عصرنا هذا وهو إنما يفتي فيه ناقلاً عن مذهب صاحبه ولو ظهر له ضعف مذهبه لم يجز له أن يتركه، فأي فائدة له في المناظرة ومذهبه معلوم، ولو كانت مناظرته في المسائل التي فيها قولان لصاحبه لكان أشبه فربما يستفيد بالمناظرة الترجيح لأحد القولين.
الثاني: أن تكون مناظرته في المسائل الواقعة أو ما يقرب وقوعها غالباً كالفرائض، وأشباهها حتى لا يضيع أوقاته في المنازعات، ويتعرض للمخاصمات والآفات.
الثالث: أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إليه، وأهم من المحافل وبين أظهر الأكابر، فإن الخلوة أجمع للفهم وأدرك، للحق وحضور الجمع يحرك دواعي الرياء ويهيج الحرص [143/ب] على نصرة كل واحد منهما لنفسه محقاً كان / أو مبطلاً.
الرابع: أن يكون في طلب الحق كناشد، ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يديه أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معاوناً لا خصماً ويشكره إذا عرفه الخطأ، وأظهر له الحق فهكذا كانت مشاورة الصحابة رضي الله عنهم، حتى ردت امرأة على. عمر رضي الله عنه ونبهته على الحق وهو في خطبته على ملأ من الناس، فقال: أصابت امرأة وأخطأ رجل.
وفي لفظ: كل يخاصم عمر حتى المرأة، وذلك حين تكلم في تنقص صدقات النساء. وسأل رجل علياً فأجابه فقال ليس كذلك يا أمير المؤمنين ولكن كذا وكذا. فقال: أصبت وأخطأت وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) واستدرك ابن مسعود على أبي موسى الأشعري، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم. وذلك لما سئل أبو موسى عن رجل قاتل في سبيل الله فقتِلَ. فقال: هو في الجنة وكان أمير الكوفة. فقال ابن مسعود: أعد على الأمير فلعله لم يفهم، فأعاد وأعاد الجواب فقال ابن مسعود رضي عنه: أنا أقول إن قتل وأصاب الحق فهو في الجنة. فقال أبو موسى: ما قال، فهكذا أن يكون
إنصاف طالب الحق.
الله
ولو ذكر مثل هذا الآن لأقل فقيه استبعد ذلك، وقال: لا يحتاج أن يقال أصاب الحق،
فإن ذلك معلوم لكل واحد.
(1) سورة يوسف الآية: 76.