الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦٤[156/ب]
148
قنطرة | رة العلم
وعن الثوري أنه قال: فتنة الحديث أشد من فتنة المال والأهل والولد (1). ولذلك قال بعضهم: إذا اشتهيت أن تحدث فلا تحدث، وإذا لم تشته فحدث؛ وهذا لأن التلذذ بجاه الإفادة ومنصب الإرشاد أعظم من كل نعيم في الدنيا فمن أجاب شهوته في ذلك فهو من أبناء الدنيا. وهذا عندي إذا كان قصده بالتحدث جر الجاه ومنفعته. والله أعلم. فهذه الأخبار والآثار التي أوردناها تبين العالم الذي هو من أبناء الدنيا أخس حالاً عند الله وأشد عذاباً من الجاهل يوم القيامة، ولهذا قال بعض السلف: العلم كله دنيا والآخرة منه العمل به، والعمل كله هباء إلا الإخلاص. وقال: الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء سكرى إلا العاملين والعاملون مغرورون إلا المخلصين، والمخلص على وجل حتى يدري ما يختم له به. والله نسأله التوفيق وحسن | الخاتمة.
في
الباب التاسع
العلامات المييزة بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة
ونعني بعلماء الدنيا علماء السوء وهم الذين قصدهم من العلم التنعم بالدنيا والتوصل إلى الجاه، والمنزلة عند أهلها (2)، وهم الذين وردت فيهم الأخبار والآثار المتقدمة. ونعني بعلماء الآخرة العلماء بالله سبحانه العاملين له فهم الفائزون المقربون يوم القيامة ولهم علامات منها: أن لا يطلب بعلمه الدنيا، فإن أقل درجات العلم النافع، أن يدرك حقارة الدنيا وخستها وكدورتها وانصرامها، ويدرك عظم الآخرة ودوامها وبقاء نعيمها وجلالة ملكها. ويعلم / أن الدنيا والآخرة متضادتان، وأنهما كالضرتين مهما أرضيت إحداهما سخطت الأخرى، وأنهما كالمشرق والمغرب مهما قربت من أحدهما بعدت عن الآخر، وأنهما ككفتي الميزان مهما رجحت إحداهما خفت الأخرى، وأنهما كقدحين أحدهما مملوء والآخر فارغ فبقدر ما تصب في أحدهما كذلك تفرغ من الآخر، فإن من لا يعلم حقارة الدنيا وكدورتها وامتزاج لذتها بألمها، ثم انصرام ما يصفو منها فهو فاسد العقل، لأن المشاهدة والتجربة ترشد إلى ذلك، فكيف يكون. العلماء من لا عقل له؟ وإن من لا يعلم عظم الآخرة ودوامها فهو
مشرك مسلوب الإيمان.
(1) راجع المصدر السابق. (2) راجع الإحياء (58/ 1).
من