الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧١قنطرة العلم الأطعمة وألوانها، وينكحون أجمل النساء وألوانها، ويلبسون ألين الثياب وألوانها، ويركبون فرة الدواب وألوانها، لهم بطون من القليل لا تشبع، وأنفس من الكثير لا تقنع عاكفين على الدنيا يغدون ويروحون إليها، اتخذوها آلهة دون آلهتهم، ورباً دون ربهم إلى أمرها ينتهون وهواهم يتبعون فعزيمة من محمد بن عبد الله لمن أدرك ذلك الزمان من عقب عقبكم، وخلف خلفكم أن لا يسلم عليهم، ولا يعود مرضاهم ولا يتبع، جنائزهم، ولا يوقر كبيرهم، ومن فعل ذلك فقد أعان على هدم الإسلام». وقال الله تعالى مخاطباً للمسلمين: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (1).
وقال بعض السلف: المؤمن يتزود والمنافق يتزين والكافر يتمتع.
والتحقيق في هذا أن التزين بالمباح والتنعم بالحلال ليس بحرام، ولا محظور، ولكن الخوض فيه يوجب الأنس به حتى يشق عليه تركه واستدامة التنعم لا تمكن إلا بمباشرة أسباب في الغالب يلزم من مراعاتها ارتكاب المعاصي من المداهنة.
ومراعاة الخلق ومراءاتهم وأمور لأجل كسب الدنيا، والتمتع بها، والحزم اجتناب ذلك، لأن من خاض في الدنيا لا يسلم منها البتة، ولو كانت السلامة مبذولة مع الخوض في الدنيا لأحد لما كان النبي عليه السلام يبالغ في ترك الدنيا حتى نزع القميص المطرز بالعلم وقال: إنها شغلتني عن صلاتي». ونزع أيضاً خاتم الذهب في أثناء الخطبة ورمى به ثم قال: «أما هذا فلا ألبسه أبداً». إلى غير ذلك مما سيأتي إن شاء الله في / موضعه وقال تعالى لنبيه عليه السلام: {يَا أَيُّهَا [163/ب] النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا) (2) الآية.
السلامة
من
فأمره بفراقهن إذا أردن زينة الدنيا فكيف إذا خضن فيها، فالوقوف على حدود المباح مع المداهنة والرياء، وسائر المحظورات عسير لا يقوى عليه إلا أهل اليقين من العلماء الأقوياء الموفقين والتنعم بالمباح خطره عظيم وهو بعيد من الخوف، والخشية الذين هما من علامات علماء الآخرة.
هذا في الحلال المحض فما ظنك في أمثالنا الغرقى في شبه المكاسب المحظورات،
(1)
سورة البقرة الآية: 197.
(2) سورة الأحزاب الآية: 28.