الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧٣قنطرة العلم
157
والشرف والنسب، فنظرت فإذا هي لا شيء، ثم نظرت إلى قول الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (1). فعملت في التقوى حتى أكون عند الله كريماً. قال: فما الخامسة؟ قال: إني نظرت إلى هذا الخلق وهم يطعن بعضهم في بعض ويلعن بعضهم بعضاً، وأصل هذا كله الحسد ثم نظرت إلى قوله عز وجل: وَنَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا) (2). فتركت الحسد واجتنبت الخلق وعلمت أن القسمة عند الله سبحانه فتركت عداوة الخلق.
(3)
قال: فما السادسة؟ قال: إني نظرت إلى هذا الخلق يبغي بعضهم على بعض ويقاتل بعضهم بعضاً فرجعت إلى قول الله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوا (3). / فعاديته وحده [165/ب] واجتهدت في أخذ حذري منه؛ لأن الله شهد عليه أنه عدوي وتركت عداوة الخلق. قال: فما السابعة؟ قال: إني نظرت إلى هذا الخلق، فرأيت كل واحد منهم يطلب هذه الكسرة فيذل نفسه، ويدخل فيما لا يحل له، ثم نظرت إلى قول الله تعالى: {وَمَا مِنْ دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) (4). فعلمت أني واحد من هذه الدواب التي على الله رزقها فاشتغلت بما لله تعالى علي، وتركت مالي عنده. قال: فما الثامنة؟ قال: إني نظرت إلى هذا الخلق فرأيتهم متوكلين هذا على ضيعته وهذا على تجارته وهذا على صناعته وهذا على صحة بدنه، فكل مخلوق متوكل على مخلوق فتوكلت على الله فهو حسبي قال شقيق: يا حاتم وفقك الله، فإني نظرت في علم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم وهو يدور على هذه الثمان مسائل، فمن استعملها فقد استعمل الكتب الأربعة (5).
فهذا الفن من العلم إنما يهتم بإدراكه والتفطن له علماء الآخرة، وأما علماء الدنيا فيشتغلون بما يتيسر به اكتساب المال والجاه ويهملون أمثال هذه العلوم التي بعثت بها الأنبياء كلهم عليهم السلام (6). فمثال من يتعلم مسائل الفتاوى والجدال والخصومات وأعرض عن تعلم طريق الآخرة. وآفات الأعمال مثل رجل مريض به علل كثيرة، وقد صادف طبيباً حاذقاً في وقت ضيق يخشى فواته فاشتغل بالسؤال عن خاصية العقاقير والأدوية، وغرائب الطب وترك مهمة الذي
هو مؤاخذ به.
(1) سورة الحجرات الآية: 13. (2) سورة الزخرف الآية: 32.
(3) سورة فاطر الآية: 6. (4) سورة هود الآية: 6. (5) ذكر ذلك الغزالي في الإحياء (64/ 1، 65). (6) ذكر ذلك الغزالي في الإحياء (64/ 1، 65).