الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٩قنطرة العلم
أسر إليَّ.
سر
173
فقال عمر: يا حذيفة أنشدك الله أمنهم كان قال: اللهم نعم. قال: أنشدك الله
أمنهم أنا. فقال حذيفة: لا والله يا أمير المؤمنين، ولا أومن بهذا أحد غيرك ـ يعني أنه يقول ليس من المنافقين .. فقيل لجابر بن زيد أتخاف النفاق؟ قال: وكيف لا أخافه وقد خافه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وكان عمر رضي الله عنه فيما بلغنا إذا دعي إلى جنازة نظر فإذا نظر حذيفة صلى عليها، وإلا ترك وكان يسمى صاحب السر
(1)
فالعلانية بأحوال القلب ومقاماته هو دأب علماء الآخرة /؛ لأن القلب هو الساعي إلى [181/ب] قرب الله تعالى (2). وهذا إنما يعتني بالبحث عنه علماء الآخرة.
(2)
وأما علماء الدنيا فإنهم يتبعون ما تيسر لهم فطلب المعاش، وكسب الحطام من مسائل الخصومات، والأقضية، والأحكام ويتبعون في مسائل ينقضي الدهر ولا تقع، وإن وقعت فإنما تقع لغيرهم لا لهم.
وربما يجدون من يكفيهم ذلك، ويتركون ما يلازمهم ويتكرر عليهم آناء الليل وأطراف النهار في خواطرهم، ووساوسهم، وأعمالهم.
فما أبعد من السعادة من باع مهم نفسه اللازم بمهم غيره النادر وقوعه إيثاراً للقبول، والتقرب إلى الخلق على التقرب من الله، وحرصاً أن يسميه البطالون من أبناء الدنيا فضلا عالماً، وجزاؤه من الله تعالى أن لا يشفع في الدنيا بقبول الخلق صافياً من الحوادث بل يتكدر صفوه بنوائب الزمان، ثم يرد يوم القيامة مفلساً متحسراً على ما يشاهده من رب العالمين، وفوز المقربين وذلك هو الحسران المبين، ولقد صدق من قال:
الطرق شتى وطرق الحق مفردة والسالكون طريق الحق أفراد لا يعرفون ولا تدري مقاصدهم فهم على مهل يمشون قصاد والناس في غفلة عما يراد بهم فجعلهم عن سبيل الحق حياد (3)
وعلى الجملة لا يميل أكثر الخلق إلا إلى الأسهل والأوفق لطبائعهم، فإن الحق مرّ، والوقوف عليه صعب، وإدراكه شديد وطريقه مستوعر لا سيما معرفة صفات القلب،
وتطهيرها عن الأخلاق المذمومة.
(1) راجع المصدر السابق.
(2) راجع المصدر السابق.
(3)
في الإحياء (77/ 1) الشعر كما هنا غير هذه الكلمة فقد جاء فيه بدلاً منها: «رقاد».