الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٩١قنطرة العلم
175
وإنما فضل الصحابة لمشاهدتهم قرائن أحوال رسول الله، واعتلاق قلوبهم أموراً تدرك بالقرائن فيسدد لهم ذلك إلى الصواب من حيث لا يدخل في الرواية والعبادة إذ أفاض عليهم من نور النبوة ما يحرسهم في الأكثر عن الخطأ، وإذا كان الاعتماد على المسموع عن الغير تقليداً غير مرضي فالاعتماد على الكتب والتصانيف أبعد وأبعد، بل الكتب والتصانيف محدثة لم يكن شيئاً منها في زمان الصحابة وصدر زمان التابعين رضي الله عنهم، وإنما حدثت بعد سنة مائة وعشرين من الهجرة وبعد وفاة جميع الصحابة وجملة التابعين، وبعد وفاة سعيد بن المسيب والحسن وخيار التابعين
(1)
هكذا ذكر الغزالي في كتابه ثم قال: بل الأولون يكرهون كتابة الحديث وتصنيف الكتب، لئلا يشتغل الناس بها عن الحفظ وعن القرآن وعن التدبر والتفكر وقال: احفظوا كما كنا نحفظ، قال: ولقد كره أبو بكر الصديق رضي ا الله عنه وجماعة من الصحابة رضي | الله عنهم تصحيف (2) القرآن في مصحف، وقالوا: كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وخافوا أن
تكال الناس على المصاحف.
وهمهم حتى
أشار عمر رضي
(4)
وقالوا (3): نترك القرآن يتلقاه بعضهم من بعض بالتلقين والإقراء ليكون هو شغلهم الله عنه وبقية الصحابة بكتابة القرآن خوفاً من تخاذل الناس وتكاسلهم وحذراً أن من يقع نزاع فلا يوجد أصل يرجع إليه في كلمة أو في قراءة من المتشابهات. فانشرح صدر أبي بكر رضي الله عنه لذلك وجمع القرآن في مصحف واحد () وإني أظن أن القرآن في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم [كان] (5) مكتوباً في الأكتاف والصحف حتى جمع بعد / ذلك في مصحف واحد لأنه كان له عليه السلام كتاب يكتبون الوحي. حتى حفظه على عهده [184/ب] وجمعه ستة رجال من الأنصار: زيد وأبو زيد وأبو أيوب، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وعثمان بن مظعون دون غيرهم وما مات عليه السلام إلا والقرآن مجموع متلو. والله أعلم.
وفي كتاب الغزالي قال: وكان أحمد بن حنبل ينكر على مالك تصنيف الموطأ، ويقول:
ابتدع ما لم تفعله الصحابة.
(1) نفس المصدر.
(2) في الأصل تصنيف واثبت الأقرب إلى إيضاح المعنى وهو ما في الإحياء الموضع السابق. في الأصل: قال والتصويب من المصدر السابق.
(3)
(4) المصدر السابق.
(5) ما بين المعقوفين زيادة لإيضاح السياق.