قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٩٢

176

قنطرة العلم

قال: وقيل أول كتاب صنف في الإسلام) كتاب ابن جريج في الآثار وحروف في التفاسير، عن مجاهد وعطاء وأصحاب ابن عباس [بمكة])، ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني باليمن جمع فيه سنناً منثورة»، ثم كتاب الموطأ» بالمدينية لمالك بن أنس، ثم جامع سفيان الثوري».

قال: ثم في القرن الرابع حدثت مصنفات الكلام وكثر الخوض والجدال في أبطال

المقالات، وظهر علم الخلاف.

قال: وسبب

ذلك أن الخلافة تولاها بعد النبي عليه السلام الخلفاء الراشدون وكانوا أئمة وعلماء بالله تعالى، وفقهاء في أحكامه ومشتغلين بالفتاوى في الأقضية فكانوا لا يشتغلون بالفقهاء إلا نادراً، وفي وقائع لا يستغنى فيها عن المشاورة، فتفرغ العلماء لعلم الآخرة، وتجردوا لها وكانوا يتدافعون الفتاوى وما يتعلق بأحكام الخلق من الدنيا وأقبلوا على الله سبحانه بكنه اجتهادهم كما نقل من سيرتهم قال: فلما أفضت الخلافة بعدهم إلى قوم تولوا بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء، وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم لاستفتائهم في مجاري أحكام وكان قد بقي من علماء التابعين [1/ 185] من هو مستمر على الطريق الأول، وملازم صفو الدين ومواظب على سمت علماء / السلف، فكانوا إذا طلبوا هربوا وأعرضوا، فاضطر الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات. فرأى أهل تلك الأعصار عزّ العلماء وإقبال الولاة والأئمة عليهم مع إعراضهم عنه، فاشر أبوا لطلب العلم تواصلاً إلى نيل القدر ودرك الجاه من قبل الولاة وتفرغوا إليهم، وطلبوا الولايات والصَّلاة منهم، فمنهم من حُرم، ومنهم من أنجح، والمنجح لم يخل عن الطلب ومهانة الابتذال فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين.

ذل

وبعد أن كانوا أعزة (2) بالإعراض عن السلاطين أذلة بالإقبال عليهم إلا من وفقه الله عز وجل في كل عصر من علماء دينه، وقد كان أكثر الإقبال في تلك الأعصار على علم الفتوى، والأقضية لشدة الحاجة إليها في الولايات والحكومات ثم ظهر بعدهم من الأمراء من سمع مقالات الناس في قواعد العقائد ومالت نفسه إلى سماع الحجج فيها فعلم رغبته إلى المناظرة، والمجادلة في الكلام فانكب الناس على علم الكلام وأكثروا فيه التصانيف ورتبوا فيه طرق المجادلات و استخرجوا فنون المناقضات في المقالات.

(1) ما بين المعقوفين من الإحياء (79/ 1).

(2) في الأصل: «عزة» وأضفت الألف لإيضاح المعنى أكثر.