قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٩٣

قنطرة العلم

177

وزعموا أن غرضهم الذب عن دين الله تعالى والنضال عن السنة، وقمع المبتدعة كما

زعم من قبلهم أن غرضهم الاستقلال بفتاوى الدين وتقلد أحكام المسلمين إشفاقاً على خلق الله تعالى ونصيحة لهم، ثم ظهر بعد ذلك من الأمراء من لم يستصوب الخوض في الكلام، وقبح باب المناظرة فيه، لما كان قد تولد في فتح بابه من التعصبات الفاحشة، والخصومات الناشئة المفضية إلى إهراق الدماء وإخراب البلاد، ومالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذهب الشافعي وأبي حنيفة على الخصوص فترك الناس الكلام وفنون العلم، واندفعوا على المسائل الخلافية بين / الشافعي وأبي حنيفة على الخصوص، وتساهلوا في الخلاف مع مالك [186/ب] وسفيان وأحمد وغيرهم، وزعموا أن غرضهم استنباط دقائق الشرع، وتفريع علل المذاهب، وتمهيد أصول الفتاوى فأكثروا فيه التصانيف والاستنباطات ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات، وهم مستمرون عليه إلى الآن.

قال: وليس ندري ما الذي قدّر الله تعالى فيما بعدنا من العصور فهذا هو الباعث على الانكباب على الخلافيات والمناظرات لا غير.

قال: ثم مال الناس إلى ما ذكرنا من الكلام والمجادلات وإلى القصص والوعظ فأخذ علم المتقين في الاندراس من ذلك الزمان الأول فصار بعد ذلك يستغرب علم القلوب والتفتيش عن صفات النفس ومكائد الشيطان وأعرض عن ذلك إلا الأقلون فصار يسمى المجادل المتكلم عالماً، والقاص والمزخرف كلامه بالعبارات المسجعة عالماً.

قال: وهذا لأن العوام هم المستعمون إليهم وكان لا يتميز لهم حقيقة العلم عن غيره ولم تكن سيرة الصحابة وعلومهم ظاهرة عندهم حتى كانوا يعرفون به مباينة هؤلاء لهم فاستمر عليهم اسم العلماء وتوارث القلب خلفاً عن سلف وأصبح علم الآخرة مطوياً وغاب عنهم الفرق بين العلم والكلام إلا عن الخواص منهم.

قال: هكذا ضعف الدين في قرون سالفة فكيف بزمانك هذا؟

وقد انتهى الأمر إلى أن صار مظهر الإنكار يستهدف بالنسبة إلى الجنون فالأولى أن يشتغل الإنسان بنفسه ويسكت إذا وسعه ذلك

ومن

(1)

علامات علماء الآخرة: أن يكون العالم شديد التوقي في محدثات الأمور وإن اتفق

(1) راجع إحياء علوم الدين للغزالي (79/ 1).