الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٩٩قنطرة العلم
183
قال: فكل عالم خاض في الدنيا فلا ينبغي أن يصغى إلى قوله، بل ينبغي أن يتهم فيما يقول؛ لأن كل إنسان يخوض فيما يحب ويدفع ما لا يوافق محبوبه، ولذلك قال تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} (1) / الآية.
فالعوام العصاة أسعد حالاً
[1/ 197]
العلماء؛ لأن الجهال بطريق الدين المعتقدين أنهم من
من
هو
العامي معترف بتقصيره، ويستغفر ويتصور، وهذا الجاهل الظان أنه عالم، وإنما الذي مشتغل به من العلوم إنما هي وسائله إلى الدنيا لا يتوب ولا يستغفر بل لا يزال مستمراً عليه إلى الموت، فإذا غلب هذا على المنسوبين إلى العلم إلا مَنْ عصمه الله (2).
وذلك أعز من الكبريت الأحمر، ولهذا المعنى كتب بعض العلماء إلى بعض السلف فقال: ما ظنك بمن بقي لا يجد أحداً يذكر الله معه إلا كان آثماً معه؟ وكانت مذكراته معصية؛ وذلك أنه لا يجد أهله، ولقد صدق فإن مخالط الناس لا ينفك عن غيبة، أو سماع غيبة، أو عن سكوت عن منكر، وأحسن أحواله أن يفيد علماً.
ولو تأمل علم أنَّ المستفيد إنما يريد أن يجعل ذلك آلة إلى طلب الدنيا، ووسيلة إلى الشر فيكون هو معيناً له على ذلك، ومهيئاً لأسبابه كالذي يبيع السيف لقاطع الطريق. فالعلم كالسيف وصلاحه للخير، كصلاح السيف للغزو، وذلك لا يرخص في البيع ممن يريد الاستعانة به على قطع الطريق (3)، ولذلك لا يجوز عند العلماء حمل السلاح إلى أرض العدو. والله أعلم.
فإذن قد وقع اليأس، وانقطع الطمع من إصلاح الناس إلا من شاء الله تعالى، فهذه اثنتا عشرة علامة من علامات علماء الآخرة.
تحتوي كل واحدة على جمل من أخلاق المتقين جمعتها من كتب علماء السلف، وأكثرها من كتاب الغزالي؛ لأنها موافقة للقرآن، ولما مضى عليه السلف الصالح من مشايخ
المسلمين رحمهم الله.
فكن يا أخي أرشدك الله أحد رجلين: إما متصفاً بهذه الصفات فتكون على سبيل المشايخ ذوي الكرامات أو معترفاً بالتقصير مع الإقرار بهذا العلم مقتبساً منه على قدر العون
(1) سورة الكهف الآية: 28. (2) إحياء علوم الدين (82/ 1). (3) المرجع السابق.