الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٠مقدمة المؤلف
وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ رسالة ربه ناصحاً لأمته، حتى أتاه من ربه اليقين بعد كمال الدين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأخيار، وأصحابه المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم تشخص فيه الأبصار.
أما بعد:
تنال
فقد انكشف لأرباب القلوب بحقائق الإيمان، وأوضح محكمات القرآن، أن لا وصول للعبد إلى السعادة الأبدية، إلا بالعلم وامتثال العبادة الدينية وهما بضاعة الأولياء، ومنهاج الأقوياء وهما دين الله القويم وصراطه المستقيم، لأجله خلق الموت والحياة، وبسببه: عنده النجاة، ولكنه طريق صعبة المسالك مخيفة المهالك، كثيرة العوائق والموانع، غزيرة الأعداء والقواطع، بعيدة المسافات كثيرة، الآفات ذات شعاب وأودية وعقبات، وأهوية [1/ 4] محفوفة باللصوص والقطاع، مشحونة بالأفاعي والسباع / تنبعث فيها الشياطين الموسوسة والعقبان المختلسة قد تشبكت بالأشراك الخاتلة. ومزجت بالسموم القاتلة، وهكذا يجب تكون لأنها طريق إلى الجنة ذات الحور والجوهر المكنون تصديقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات (1).
أن
ومع ذلك فإن الله سبحانه خلق الإنسان ضعيفاً، فحمله ثقل الأمانة تكليفاً، وأوجب عليه إتقان حمل تلك الأمانة بالعلم والعمل والتشمير في أداء حقها بالجد لا بالكسل، فعمر الإنسان قصير والناقد لأعماله بصير، والجهل مع اتباع الهوى عليه غالب، والآفات محدقة به من كل جانب والأجل قريب غير مديد والسفر بعيد صعب شديد والطاعة هي ا الزاد، فلا بد منها، والدنيا منصرفة فلا مَردَّ لها فمن ظفر بالزاد منها سهل عليه على الصراط الجواز ومن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، ومن حرم من الطاعة نصيبه طال عليه في سفره النصب والتعب، ودام عليه في النار الوصب واللهب.
فلهذا الخطب الفظيع والهول الشنيع، قلَّ السالكون للطريق، بالجد والتحقيق، ومنهم من بذل في بدء أمره من النفس بعض المجهود، فطال عليه التعب، فانقطع ولم يصل إلى المقصود إلا الأصفياء المخلصين الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين.
قلت: فلما كان الطريق على ما وصفنا من المشقة والمخافة وكثرة العوائق، وبعد
(1) متفق عليه من حديث أبي هريرة.