الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٠٦1900
قنطرة العلم
[1/ 199] وإن اتفق / أن قدر الله الأسباب وقعت الإصابة، وإن لم يقدر ذلك أخطأ ويكون ذلك كتخمين الإنسان في أن السماء تمطر اليوم مهما رأوا الغيم يجتمع، وينبعث من الجبال فيتحرك ظنه بذلك، وربما يحمي النهار بالشمس فيتبدد الغيم، وربما يكون بخلافه، ومجرد الغيم ليس كافياً في المطر وبقية الأسباب لا تدرك قال: وكذلك تخمين الملاح أن السفينة تسلم اعتماداً على ما العادة في الرياح، ولتلك الرياح أسباب خفية ولا يطلع عليها فتارة يصيب في تخمينه، وتارة يخطاء، وبهذه العلة يمنع القوى أيضاً عن النجوم السبب الثالث: أنه لا فائدة فيها، فأقل أحواله أنه خوض في فضول لا تغني وتضييع العمر الذي هو أنفس بضاعة الإنسان بغير فائدة غاية الخسران.
ألفه
من
وقد روي
(1)
أن النبي عليه السلام مر برجل والناس مجتمعون عليه فقال: «ما هذا»؟ فقالوا: رجل علامة، فقال: «بماذا؟ قالوا: بالشعر وأنساب العرب، فقال عليه السلام: «علم لا ينفع، وجهل لا يضر»، ثم قال: إنما العلم آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة (2). والخوض في النجوم وما يشبهها اقتحام وخطر، وخوض جهالة من غير فائدة، فإنما قدر كائن والاحتراز عنه غير ممكن بخلاف علم الطب؛ فإن الحاجة ماسة إليه، وأكثر أدلته مما يطلع عليه، وبخلاف تعبير الرؤيا وإن كان تخميناً؛ لأنه جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة ولا
(3)
خطر فيه (3).
الثالث: من الأسباب التي يذم العلم بها هو الخوض في علم لا يستقل الخائض فيه به فإنه مذموم في حقه كتعلم دقيق العلوم قبل جليها، وكالبحث عن أسرار الآلهية التي لا يستقل بالوقوف على طريق بعضها إلا الأنبياء والأولياء، ولقد تطلع الفلاسفة وأكثر المتكلمين إليها، ولم يستقلوا بها بل هلكوا من أجلها وقد قال عليه السلام: تَفَكَّرْ فِي الْخَلْقِ وَلَا تَتَفَكَّرْ فِي 1/ 200] الْخَالِقِ». فيجب كف الناس / عن البحث عنها وردهم إلى ما نطق به الشرع، ففي ذلك للموفق مقنع فكم من شخص خاض في العلوم فاستنصر بها، ولو لم يخض فيها لكان حاله أحسن في
الدين قبل الخوض فيها.
ولذلك قيل:
(1) المصدر السابق.
(2) رواه ابن عبد البر من حديث أبي هريرة وضعفه، وفي آخر الحديث إنما العلم آية محكمة إلى آخره وهذه القطعة عند أبي داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو قاله العراقي في المغنى (30/ 1). (3) إحياء علوم الدين (30/ 1).