الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٠٧قنطرة العلم
وَإِنْ أَلْقَاكَ فَهْمُكَ فِي مهاو فَلَيْتَكَ ثُمَّ لَيَّكَ مَا فَهِمْتَ
191
انقضت
فلا تنكر كون العلم ضاراً لبعض الأشخاص كما يضر لحم الطير وأنواع الحلاوة اللطيفة بالصبي الرضيع، بل رُبَّ شخص ينفعه الجهل ببعض الأمور، ولقد ذكر أن بعض الناس شكي إلى طبيب عقم زوجته وأنها لا تلد فحبس الطبيب نبضها، وقال: لا حاجة لك إلى دواء الولادة فإنك ستموتين إلى أربعين يوماً، وقد دلّ النبض عليه. فاستشعرت المرأة خوفاً عظيماً وتنقص عليها عيشها، وأخرجت أموالها وفرقت وأوصت وبقيت لا تأكل ولا تشرب حتى المدة. فجاء زوجها إلى الطبيب فقال: إنها لم تمت. فقال الطبيب: قد علمت ذلك، فجامعها الآن؛ فإنها تلد إن شاء الله. قال: رأيتها سمينة وقد انعقد الشحم على فم رحمها فعلمت أنها لا تهزل إلا بخوف الموت، فخوفتها بذلك حتى هزلت وزال المانع من الولادة (1). فهذا ينبهك على استشعار الخطر من بعض العلوم، ويفهمك معنى قوله عليه السلام: أعوذ بالله من علم لا ينفع (2).
فاعتبر لهذه الحكاية ولا تكن بحاثاً عن علوم ذمها الشرع وزجر عنها ولازم الاقتداء بالصحابة، واقتصر على اتباع السنة، فالسلامة في الإتباع، والخطر في البحث عن الأشياء والاستقلال والابتداع (3). فكيفيك في منفعة العقل أن يهديك إلى طريق النبي عليه السلام، ويفهمك بعض موارد إشاراته فاعزل العقل بعد ذلك عن التصرف ولازم الاتباع فإنك لا تسلم إلا به قال: إن من العلم لجهلاً، وإن من القول لغيا (5).
،
(4)
ولذلك
/ ومعلوم أن العلم لا يكون جهلاً، ولكن منه ما يؤثر تأثير الجهل في الإضرار، وقال [201/ب]
عليه السلام: «قليل من التوفيق، خير من كثير من العلم (6).
وقال عيسى عليه السلام ما أكثر الشجر وليس كلها يثمر وما أكثر الثمار وليس كلها
(1) راجع المصدر السابق. (2) قال العراقي في المغني (31/ 1) رواه ابن عبد البر من حديث جابر بسند حسن، وهو عند ابن ماجه
بلفظ تعوذوا. (3) راجع إحياء علوم الدين (31/ 1).
(4) راجع إحياء علوم الدين (31/ 1).
(5) بنحوه قال عنه العراقي في المغني (321) رواه أبو داود من حديث بريدة وفي إسناده من يجهل. (6) لم أجعله أصلا، وقد ذكره صاحب الفردوس من حديث أبي الدرداء، قاله العراقي في المغني (32/ 1).