الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٠٩قنطرة العلم
193
أحال قلة خوفهم من الله عز وجل واستعظامهم لسطوة الخلق على قلة الفقه، فانظر ذلك، ينتجه عدم الحفظ لتفريعات الفتاوى أو ينتجه ما ذكرنا من العلوم؟. وقال عليه السلام: علماء حكماء فقهاء» (1).
وفي بعض الطرق: كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء للوفد الذين قدموا عليه. فقالوا: نحن قوم مؤمنون مسلمون، فذكروا الخمس عشرة خصلة تحقيقاً لإيمانهم، الحديث مشهور. وسئل بعضهم (3): أي أهل المدينة أفقه؟ فقال: أتقاهم الله تعالى]. فكأنه أشار إلى ثمرة الفقه أنها التقوى والتقوى ثمرة العلم الباطن دون الفتاوى والأقضية، وقال عليه السلام: «لن يتفقه أحدكم كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة (3).
وقال عليه السلام: لن يتفقه العبد كل التفقه حتى يمقت الناس في ذات الله. وروي هذا عن أبي الدرداء مرفوعاً مع قوله: ثم يقبل على نفسه فيكون أشد لها مقتاً». قال: وسأل فرقد السنحي الحسن عن شيء؟ فأجابه، فقال: إن الفقهاء يخالفونك. فقال الحسن: ثكلتك أمك فريقد؛ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه الورع الكاف نفسه عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم الناصح
لجماعتهم.
(4)
ولم يقل في جميع ذلك: الحافظ لفروع الفتاوى ولما احتضر جابر بن يزيد رحمه الله، دخل عليه الحسن فقال: قل لا إله إلا الله. فسكت فأعاد عليه فقال جابر: أنا من أهلها / ولكن [203/ب] نعوذ بالله من غدو ورواح إلى النار. ثم قال: يا أبا سعيد: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نفساً إيْمَانُهَا (5). فقال الحسن: ما أفقهه ولو عند الموت!
قال تعالى: {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (6). ولم يرد
تعالى يفقهون فروع الفتاوى.
(1) رواه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الزهد والخطيب في التاريخ من حديث سويد بن الحارث بإسناد ضعيف قاله العراقي في المغني (32/ 1).
(2) هو مسعد بن إبراهيم الزهري، مصرح به في الإحياء (321)، وما بين المعقوفين زيادة منه. (3) رواه ابن عبد البر من حديث شداد بن أوس، وقال لا يصح مرفوعاً قاله العراقي في المغنى (32/ 1).
(4) راجع إحياء علوم الدين (33/ 1).
(5) سورة الأنعام الآية: 158.
(6) سورة المنافقون الآية: 7.