الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١٨202
قنطرة العلم
وفي حديث آخر: «الغرباء ناس قليل صالحون بين ناس كثير، من يبغضهم أكثر ممن
يحبهم (1)
وقد صارت تلك العلوم غريبة بحيث يمقت ذاكرها، ولذلك قال الثوري: إذا رأيت
العالم كثيرا الأصدقاء فاعلم أنه مختلط؛ لأنه لو نطق بالحق لبغضوه.
كتبت أكثر هذا الباب من كتاب الغزالي (3)؛ لأنه اتبع فيه فضائح علماء السوء منهم، [1/ 211] فأحببت أن تقفوا عليها إذ كان ما ذكره موافقاً للحق غير / خارج عن الشرع. وبالله التوفيق. الفصل الثاني: في بيان القدر المحمود من العلم المحمود
اعلم أن العلم بهذا الاعتبار ثلاثة أقسام:
قسم: وهو مذموم قليله وكثيره وهو الذي لا فائدة فيه في دين ولا دنيا أو فيه ضرر يغلب نفعه وهو ما قدمناه من علم السحر والطلسمات، والنجوم فبعضه لا فائدة فيه أصلاً، وصرف العلم الذي هو أنفس ما يملكه الإنسان إليه إضاعة، وإضاعة النفائس مذمومة، ومنه ما فيه ضرر يزيد على ما يظن أنه يحصل به من قضاء وطر في الدنيا، والله أعلم.
القسم الثاني: قسم محمود قليله وكثيره، وكلما كثر كان أحسن وأفضل وذلك هو العلم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله وسنته في خلقه وحكمته في ترتيب الآخرة على الدنيا؛ فإن هذا علم مطلوب لذاته وليتوصل به إلى سعادة الآخرة فبذل المقدور فيه إلى أقصى غاية الجهد قصور عن الحد الواجب، فإنه البحر الذي لا يدرك غوره، وإنما يحوم الحائمون على سواحله وأطرافه بقدر ما يتيسر لهم.
بحسب
وما خاض أطرافه إلا الأنبياء والأولياء الراسخون في العلم على اختلاف درجاتهم اختلاف قوتهم وتفاوت تقدير الله تعالى في حقهم وهذا هو العلم المكنون الذي لا
من
يسطر في الكتب ويعين على التنبيه لهذا العلم مشاهدة أحوال علماء الآخرة كما قدمنا علاماتهم هذا في أول الأمر ويعين عليه في آخر الأمر المجاهدة والرياضة للنفس وتصفية القلب وتفريعه عن علائق الدنيا والتشبه فيها بأنبياء الله تعالى، وأوليائه؛ ليتضح عنه لكل ساع إلى طلبه بقدر الرزق لا بقدر الجهد ولكن لا غنى فيه عن الاجتهاد، فالمجاهدة مفتاح الهداية لا مفتاح لها سواها، وبالله التوفيق.
(1) رواه أحمد من حديث عبد الله بن عمرو قاله العراقي في المصدر السابق.
(2) راجع الإحياء (36/ 1، 39).