الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١٩203
قنطرة العلم / القسم الثالث: يحمد منه مقدار الكفاية، ولا يحمد الفاضل عليه والاستقصاء فيه، [212/ب] وهي العلوم التي تقدمت قبل هذا في فروض الكفايات؛ فإن كل علم منها اقتصاراً هو الأول، واقتصاداً هو الوسط وإستقصاء لا مرد له إلى آخر العمر وهذه الأقسام الثلاثة كأحوال البدن؛ فإن منه ما لا يحمد قليله ولا كثيره كالقبح وسوء الخلق.
نفسك،
ومنه ما يحمد قليله وكثيره كالصحة والجمال ومنه ما يحمد الاقتصاد فيه كبذل المال؛ فإن التبذير لا يحمد فيها وهو بذل وكالشجاعة، فإن التهور لا يحمد فيه، وإن كان من جنس الشجاعة فكذلك العلم على هذا الحال. فكن أحد رجلين إما مشغولاً بنفسك، وإما متفرغاً إلى غيرك بعد الفراغ من وإياك أن تشتغل بما يصلح غيرك قبل إصلاح نفسك فإن كنت المشغول بنفسك فلا تشتغل إلا بالعلم الذي هو فرض عليك بحسب ما يقتضيه حالك من معرفة الله تعالى، وما يتعلق بها من الأعمال الظاهرة من تعلم الصلاة والطهارة والصوم، وإنما الأهم الذي أهمله الكل وهو علم صفات القلب وما يحمد منها وما يذم إذ لا ينفك بشر من الصفات المذمومة: من الحرص والحسد والرياء والكبر والعجب وأخواتها فجميع ذلك مهلكات أهمالها مع الاشتغال بالأعمال الظاهرة يضاهي الاشتغال بطلاء ظاهر البدن عند التأذي بالجرب والدماميل، والتهاون بإخراج المادة من القيح والدم منها بالفصد والإمهال.
وحشوية العلماء يشيرون بالأعمال الظاهرة كما تشير الطرقية من الأطباء بطلاء ظاهر البدن وعلماء الآخرة لا يشيرون إلا بتطهير الباطن، وقطع مواد الشر بإفساد منابتها وقلع
مغارسها وهي في القلب، وإنما فزع الأكثرون إلى الأعمال الظاهرة دون تطهير القلوب لسهولة أعمال الجوارح / واستصعاب أعمال القلوب كما يفزع إلى طلاء الظاهر من يستصعب شرب [213/ب] الأدوية المرة، فلا يزال يتعب في الطلاء وهي تزيد في المواد وتضاعف الأمراض؛ فإن كنت مريد الآخرة وطالباً للنجاة وهارباً من هلاك الأبد فاشتغل بعلم العلل الباطنة وعلاجها على ما سيأتي إن شاء الله فإنك إذا فعلت ذلك انجر ذلك بك إلى المقامات المحمودة التي تأتي مشروحة إن شاء الله.
فإن القلب إذا فرغ من المذموم امتلاء من المحمود كالأرض إذا نقيت من الحشيش نبت فيها أصناف الزرع والرياحين، فإن لم تتفرغ من ذلك فلا تشتغل بفروض الكفايات لا سيما وفي الخلق من قام به فإن مهلك نفسه في طلب صلاح غيره سفيه، فما أشد حماقة من الأفاعي والعقارب داخل ثيابه و همت بقتله وهو يطلب مذية يدفع بها الذباب عن غيره ممن لا
دخلت