قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٢٠

204

قنطرة العلم

يعنيه ولا ينجيه مما يلاقيه من تلك الحيات والعقارب إذ هممن به.

وإن تفرغت من نفسك وتطهيرها وقدرت على ترك ظاهر الإثم وباطنه فصار ذلك ديدناً لك وعادة ميسرة فيك - وما أبعد ذلك - فاشتغل بفروض الكفايات وراع التدريج فيها، فابتدأ بكتاب الله تعالى، ثم بسنة رسوله عليه السلام، ثم بعلم التفسير وسائر علوم القرآن من: علم الناسخ والمنسوخ، والمقطوع والموصول والمحكم والمتشابه، وكذلك في السنة، ثم اشتغل بالفروع وهو علم المذهب من الفقه دون الخلاف، ثم بأصول الفقه، وهكذا إلى بقية العلم، له العمر ويساعد فيه الوقت، ولا تستغرق عمرك في واحد منها طلباً للاستقصاء؛ فإن العلم كثير والعمر قصير وهذه العلوم آلات ومقدمات وليست مطلوبة لعينها بل لغيرها فكل ما [1/ 214] يطلب لغيره فلا يليق أن تنسى من أجله المطلوب وتستكثر / منه فاقتصر من شائع علم اللغة

بما يتسع

على ما تفهم به كلام العرب وتنطق به، ومن غريبه على غريب القرآن وغريب الحديث، ودع

به

التعمق فيه، واقتصر من النحو على ما يتعلق بالكتاب والسنة ومن علم الكلام ما تحتفظ التوحيد والاعتقاد من تشويش المبتدعة على نفسك واختلاسها قلوب العوام من معتقدي مذهب المسلمين، وكن متيقظاً لمكايد النفس متحرزاً من شياطين الجن والإنس.

وبالجملة فالمُرضي عند العقلاء أن تعد نفسك في الدنيا وحدك الله تعالى، وبين يديك الموت والعرض والحساب والجنة والنار تأمل فيها بعينيك واشتغل فيما بين يديك، ودع

عنك ما سوى ذلك (1) والسلام.

مثال لهذه العلوم في سلوك طريق الآخرة، ذكر. معنى ذلك الغزالي في كتابه فقال: اعلم أنه لا يهمك إلا شأنك في الدنيا والآخرة. قال: وإذا لم يكن الجمع بين ملاذ الدنيا ونعيم الآخرة كما نطق به القرآن، وشهد له من

نور العقل والبصائر ما يجري مجرى العيان، فالأهم ما يبقى أبد الآباد. قال: فعند ذلك تصير الدنيا منزلاً والبدن مركباً والأعمال سعياً إلى المقصد، ولا مقصد إلا لقاء الله تعالى فيه النعيم كله، وإن كان لا يعرف في هذا العالم قدره إلا الأقلون. قال: والعلوم بالإضافة إلى سعادة لقاء الله تعالى على ثلاث مراتب تفهمها بالموازنة بمثال قال: وهو أن العبد الذي علق عتقه وتمكينه من الملك بالحج وقيل له: إن حججت وأتممت وصلت إلى العتق والملك جميعاً، وإن ابتدأت بطريق الحج والاستعداد له، وعاقك

(1) راجع إحياء علوم الدين (39/ 1، 41).