قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٢٣

قنطرة العلم

207

المرئية، وإنما هو أمر إلهي كما قال تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي (1)

الآية.

وكل المخلوقات منسوبة إلى الله تعالى، ولكن نسبته أشرف من نسبة سائر أعضاء البدن

والله الخلق والأمر جميعاً، والأمر أعلى من الخلق.

وهذه الجوهرة النفيسة الحاملة لأمانة الله تعالى المتقدمة بهذه الرتبة على السموات

والأرض والجبال؛ إذ أَينَ أن يحملنها، وأشفقن منها.

وإياك أن تفهم من هذا تعريضاً بقدمه، فالقائل بقدم الأرواح مغرور جاهل، لا يدري ما يقول، والمقصود أن هذه اللطيفة هي الساعية إلى قرب الله سبحانه ـ أعني الروح؛ لأنه من أمر الرب تعالى فمنه مصدره، وإليه مرجعه.

قال: وأما البدن فمطية الروح التي يركبها ويسعى بواسطتها فالبدن له في طريق الله سبحانه كالناقة للبدن في طريق الحج وكالراوية الخازنة للماء الذي يفتقر إليه البدن، فكل عمل مقصده مصلحة البدن فهو من جملة مصالح المطية، ولا يخفى أن الطب كذلك؛ فإنه يحتاج إليه في حفظ الصحة على البدن، ولو كان الإنسان وحده لاحتاج إليه، والفقه يفارقه في أنه لو كان الإنسان وحده، ربما كان يستغني عنه، ولكنه خلق على وجه لا يمكنه أن يعيش وحده إذ لا يستقل / بالسعي في طلب تحصيل طعامه بالحراثة والزراعة والطبخ وفي تحصيل الملبسر [218/ب]

والمسكن، وفي إعداد الآلات؛ لذلك كله فاضطر إلى المخالطة والاستعانة فمهما اختلط بالناس، وثارت شهواتهم تجاذبوا أسباب الشهوات وتنازعوا وتقاتلوا فحصل من قتالهم

هلاكهم بسبب التنافس من خارج كما يحصل هلاكهم بسبب تضاد الأخلاط من داخل. وبالطبع يحفظ الاعتدال في الأخلاط المتنازعة من داخل، وبالسياسة والعدل يحفظ الاعتدال في التنافس من خارج، فعلم طريق اعتدال الأخلاط، طب، وعلم طريق اعتدال أحوال الناس في المعاملات وسائر الأفعال فقه وكل ذلك يحفظ البدن، الذي هو مطية، فالمتجرد لعلم الفقه والطب إذا لم يجاهد نفسه، ولم يصلح قلبه كالمتجرد لشراء الناقة وعلفها، وشراء الراوية وخرزها إذ لم يسلك بادية الحج والمستغرق عمره في دقائق الكلمات التي تحرر في مجادلات الفقه، كالمستغرق عمره في دقائق أسباب الخيوط التي تخرز بها مزاوده، وراويته في

طريق الحج.

(1) سورة الإسراء الآية: 85.