الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٣١قنطرة الإيمان والتوحيد
215
أنه
وقد ثبت استحالة كونه جوهراً أو جسماً فاستحال كونه مختصاً بجهة فمن زعم مختص بجهة فوقية قيل له: لو كان فوق العالم بجهة لكان محاذياً له، وكل محاذ لجسم، فإنه لا بد أن يكون مثله أو أصغر منه أو أكبر، وكل ذلك تقدير يحوج إلى مقدر يتعالى عنه الواحد المدبر، وأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة للداعي وفيه أيضاً إشارة إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال والكبرياء وتنبيهاً بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلا، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء (1).
الفصل الثامن
العلم بأنه تعالى مستو على العرش بالمعنى الذي أراده الله تعالى بالاستواء، وهو الذي لا ينافي وصف الكبرياء ولا تتطرق إليه سمات الحدث والفناء وهو استواء القهر والغلبة
والاستيلاء (2) (2) كما قال الشاعر:
قد استوي بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
تأويل قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ (3).
إذ حمل بالاتفاق على الإحاطة، والعلم فحمل قوله عليه السلام: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن على القدرة والقهر وحمل قوله (عليه السلام: «الحجر الأسود [1/ 227]
يمين الله في أرضه».
على التشريف والإكرام؛ لأنه لو ترك على ظاهره للزم منه المحال، فكذلك الاستواء لو ترك على الاستقرار والتمكن للزم منه كون المتمكن جسماً مماساً للعرش إما مثله أو أكبر منه، أو أصغر وكل ذلك محال وما يؤدي إلى المحال فهو محال (4).
(1) من المعروف والمتفق عليه وما لا يختلف عليه بين اتباع الحق أن الله تعالى في السماء كما أخبر هو عن نفسه في قوله تعالى: (امتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) وقوله: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ) وكل ذلك بغير تحيز بل كما أخبر هو سبحانه عن نفسه لا تُدْرِكْهُ الأَبْصَارَ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) سبحانه لا يعلم قدره
غيره.
(2) عبارة استواء القهر والغلبة والاستيلاء كان لا يجب ذكرها لأنها تفيد أنه كان له مغالب فغلبه الله سبحانه تعالى عن ذلك علواً كبيراً. بل استوى بالمعنى الذي أراد كما قال المؤلف في أول كلامه.
(3)
سورة الحديد الآية: 4.
(4) راجع إحياء علوم الدين للغزالي (107/ 1).