قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٣٤

218

قنطرة الإيمان والتوحيد

ولو تصور قادر عالم فاعل مدبر دون أن يكون حياً لجاز أن يشك في حياة الحيوانات عن ترددها في الحركات والسكنات بل في حياة أرباب الحرف والصناعات، وذلك انغماس في غمرة الجهالات (1).

الرابع: العلم بأنه تعالى مريد لأفعاله فلا موجود إلا هو مستند إلى مشيئته وصادر عن إرادته، فهو تعالى المبداء المعيد الفعال لما يريد، وكيف لا يكون مريداً وكل فعل صدر منه أمكن أن يصدر منه ضده مما يجوز عليه وما لا ضد له أمكن أن يصدر منه ذلك بعينه، وكيف يكون إلهاً قادراً من يكون في ملكه ما لا. يريده بل هو مستكره عاجز تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وهو تعالى مريد بذاته حي عالم بنفسه وبذاته (2).

الخامس: أنه تعالى سميع لا تخفى عليه الأصوات بصير لا تخفى عنه الألوان لا يعزب

النملة

عن رؤيته هواجس الضمير وخفايا الوهم والتفكير ولا يشذ عن سمعه صوت دبيب السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، فالسمع كناية عن درك الأصوات، والبصر كناية عن درك الألوان، وذلك نفس العلم وهما صفتان الله سبحانه في ذاته صفتا كمال في حقه سميع ليس بأصم بصير ليس بأعمى فهاتان صفتا كمال في المخلوق فكيف الخالق؛ لأنه لو لم يكن كذلك كيف تستقيم حجة إبراهيم الخليل عليه السلام على أبيه إذ كان يعبد الأصنام غيّاً

وجهلاً.

[230/ب] فقال: لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ) (3) ولو انقلب / عليه ذلك في معبوده، لأضحت حجته داحضة ودلالته ساقطة ولم يصدق قوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمُ) (4) الآية. حاشا خليل الرحمن عن مقالة أهل الطغيان فكما عُقِلَ كونه فاعلاً بلا جارحة عالماً بلا قلب ولا دماغ

فليُعقل كونه بصيراً بلا حدقة وسميعاً بلا أذان إذ لا فرق بينهما (5).

السادس: أنه تعالى متكلم ليس بأخرس وكلامه على وجهين:

أحدهما: الكلام الذي هو صفته على نفي الخرس عنه، فذلك صفة له في ذاته لم يزل

موصوفاً بها.

(1) راجع الإحياء (108/ 1). (2) راجع المصدر السابق. (3) سورة مريم الآية: 42. (4) سورة الأنعام الآية: 83.

(5) راجع إحياء علوم الدين (108/ 1).