الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٣٨222
قنطرة الإيمان والتوحيد
الألباب، فكيف انفردت هي بخلقها واختراعها دون رب الأرباب جلّ جلاله وهي غير عالمة بتفصيل ما يصدر منها من الاكتساب؟ هيهات هيهات دلّت المخلوقات على انفراد جبار الأرض والسموات بالخلق والاختراع والإنشاء، والابتداع والإيجاد والإبداع).
الأصل الثاني: أن انفراد الله سبحانه باختراع حركات العباد وسكناتهم، لا يخرجها عن كونها مقدرة للعباد عن سبيل الاكتساب. فالله سبحانه خلق القدرة والمقدور جميعاً والكسب والمكتسب جميعاً، فأما القدرة فوصف للعبد وخلق للرب سبحانه وليس بكسب له.
:
وأما الحركة فخلق للرب تعالى ووصف للعبد وكسب له؛ فإنها خلقت مقدورة بقدرة هي وصفه فكانت للحركة نسبة إلى صفة أخرى تسمى قدرة.
فسميت باعتبار تلك النسبة كسباً، وكيف يكون الفعل جبراً محضاً وهو بالضرورة يدرك التفرقة بين الحركة المقدورة، والرعدة الضرورية أو يكون خلقاً للعبد، وهو لا يحيط علماً بتفاصيل أجزاء الحركات المكتسبة وإعدادها فإذا بطل الطرفان لم يبق إلا الاقتصاد في الاعتقاد، وهو أنها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعاً وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلق يعبر عنها بالاكتساب (2) وقد قال تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ فأضاف القتل إلى العبادة والتعذيب إلى نفسه في فعل واحد، والتعذيب هو عين القتل بل
(r)
(4)
[235 / ب] صرّح وقال: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ إلى قوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) (1). بين النفي والإثبات ظاهراً، فكأنه قال: {وَمَا رَمَيْتَ (5). بالمعنى الذي يكون به العبد رامياً، فرد تعالى في هذه الآية على المعتزلة والمجبرة جميعاً، ولأنه من ضرورة تعلق القدر بالمقدور أن يكون بالاختراع فقط إذ قدرة الله تعالى في الأزل كانت متعلقة بالمخلوقات ولم يكن الاختراع. حاصلاً بها وهي عند الاختراع متعلقة به نوعاً آخره من التعلق فيه يظهر أن تعلق القدرة ليس مخصوصاً بحصول المقدور بها، فأفهمه فإنه معنى غامض وبالله التوفيق (6).
الأصل الثالث: أن فعل العبد وإن كان كسباً للعبد فلا يخرج عن كونه مراد الله سبحانه،
(1) راجع إحياء علوم الدين (110/ 1). (2) راجع إحياء علوم الدين الموضع السابق. (3) سورة التوبة الآية: 14.
(4) سورة الأنفال الآية: 17.
(5) سورة الأنفال الآية: 17.
(6) راجع إحياء علوم الدين (110/ 1) بنحوه مختصراً.