قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٤

مقدمة المؤلف

ونوقظ قلوبهم بهيجان الخوف والحذر والإشفاق حتى يتمكنوا من الهروب من النار وزقومها، ونزعجهم بإزعاج الرجاء والشوق إلى الجنة ونعيمها إلى غير ذلك مما يطول به

الكتاب.

ولهذا الخطر العظيم، والخطب الهائل، الجسيم شمر الموفقون عن ساق الجد والاجتهاد ودعوا بالكلية ملاذ النفس واغتنموا بقايا الأعمار قبل أن يزعجوا عن هذه الدنيا، جعلنا الله وإياكم من الموفقين لعلم دينه العالمين به إنه أرحم الراحمين.

فصل في ترتيب قناطر الإسلام

اعلم أنه سبحانه خلق ابن آدم أطواراً في الأرحام، ونفخ فيه الروح، والسم، فمكث هناك مدة ليس له علم بشيء من الأمور إلا الحس، به يستلذ وبه يتألم، فلما خرج من بطن أمه، وجرت الحركة في مفاصله، أبصر، وذاق، وشم، وسمع وذلك قوله تعالى: {وَاللَّهُ (9/ب) أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ / لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) (1).

فقرن الله تعالى به المَلَكَ صاحب اليمين فيرشده ويسدده ويقويه ويؤيده، فعند تمام سبع سنين، قرن به الملك صاحب الشمال يلهمه، ويلقنه، ويعلمه، ويلسنه إلى تمام أربع عشرة سنة، فلما ظهر على الكلام استقبلته القياسات الخيالية واختلطت له بالعقلية، فإذا نظر إلى السماء توهمها بساطاً أخضر نثرت عليه دنانير صفر، فلما قويت نفسه وبلغ حسه ذهب الخيال هباء منثوراً، وبقي العقل أميراً مأموراً وهو معنى قوله تعالى: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ) (2).

(2)

فتعين حينئذ عليه التكليف ووجب عليه معرفة خالقه الرحيم اللطيف، نظر بعقله الذي هو من حجج الله تعالى على المكلفين مع سائر حججه من الأنبياء والمرسلين وأصناف الخلق أجمعين، فتأمل فإذا الدنيا بين يديه كأنها مفازة مظلمة وبالجهالة مدلهمة، فإذا فيها أصناف الحيوانات المؤذية قد استقبلته.

فقال: لا يصح لي سلوك هذه المفازة الظلماء، إلا بمصباح نور يكون لي دليلاً لأعرف

ما آتي، وما أتقي فتستقبله هاهنا:

(1) سورة النحل الآية: 78. (2) سورة فاطر الآية: 37.