قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٥

مقدمة المؤلف

قنطرة العلم بخالقه وهي القنطرة الأولى

ولن يصل إلى ذلك إلا بتنبيه مخبر أو إلهام ملهم يبعث عقله على التفكر، والبحث، والنظر فيتفكر في الدليل من خلق السموات والأرض وما فيهما، وما بينهما من خفض، ورفع، وجوهر، وعرض ويتفكر في اختلاف الليل والنهار، وما يجري به الدهر من الأكوان، والأحداث من الخير والشر والنفع والضر والشدَّة، والرخاء، وغير ذلك.

بد

له

،

ويستدل بالصنعة على الصانع فيعلم يقيناً أن الصنعة لا بد لها من صانع، وأن الخلق لا من خالق، ثم يمعن النظر في خلقه نفسه، وتسوية جوارحه، وما أفاض عليه الرب سبحانه من أصناف النعم من الحياة والعقل، والفهم، والسمع والبصر والشم، وغير / ذلك [1/ 10] مما لا يحصى كثرة من المعاني الشريفة، واللذات العجيبة، وما صرف عنه أصناف من المضار، والآفات.

فإذا أمعن النظر بعين البصيرة لا عين البصر، علم أن لهذه الصنعة صانعاً، ولهذه النعمة منعماً حياً رزاقاً عالماً بأسراره وما يختلج في أفكاره قد وعد على شكر النعمة ثواباً، وعلى كفرانها عقاباً وأنه إن غفل عن شكره وخدمته أزال عنه تلك النعمة، وأذاقه البأس والنقمة، عاجلاً وآجلاً فيهتاج حينئذ لا محالة في قلبه خاطر الفزع الذي ينبهه عليه في عقله، وتلزمه الحجة، وينقطع له العذر من أجله مع سائر الحجج من كتاب الله ورسوله.

فعند ذلك تستقبله:

القنطرة الثانية وهي قنطرة الإيمان بهذا الصانع

الخالق المنعم الرزاق، إنه خالقه ورازقه طلبه فوجده وعرفه بعد ما جهله فيؤمن به إيماناً يقيناً بالقلب واللسان.

ويدوم على ذلك إلى الممات ويوحده توحيداً خالصاً يرى به الأمور كلها من الخير، والشر، والنفع والضر، رؤية يقطع بها التفاته إلى الوسائط، والأسباب، وهذا التوحيد، والإيمان والعلم هي العصا التي يضرب بها سيد السباع التي استقبلته حين أشرف على مفازة الدنيا المظلمة بالجهل فيقتله، فتفترق عنه سائر الدواب المؤذية التي هي ما دون الشرك من الذنوب تحقيقاً لقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَسْتَهُوا يُغْفَرُ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (1).

(1) سورة الأنفال الآية: 38.

(1)