الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٤٠224
قنطرة الإيمان والتوحيد
يكن الخلق والتكليف واجباً عليه خلافاً للمعتزلة الذين زعموا أن التكليف لا يكون إلا من طريق
مصلحة العباد:
واستدل أبو يعقوب على فساد قولهم هذا بقول الله سبحانه: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) (1).
(1)
قال: وهذا تكليف عقوبة لا مثوبة، وهذا في حق الله سبحانه محال، إذ هو الموجب، ر، والناهي سبحانه وكيف يتعرض لإيجاب أو يتعرض للزوم وخطاب؟ والمراد بالواجب
والأمر،
أحد أمرين:
إما الفعل الذي في تركه ضرر إما آجل كما يقال: يجب على العبد أن يطيع الله تعالى. أو ضرر عاجل كما يقال: يجب على العطشان أن يشرب حتى لا يموت. وإما أن يراد به الذي [237/ب] يؤدي عدمه إلى محال / كما يقال: وجود المعدوم واجب إذ عدمه يؤدي إلى محال أن وهو يصير العلم جهلاً فإن أراد الخصم بأن الخلق واجب على الله تعالى على المعنى الأول فقد عرضه للإضرار، وإن أراد به المعنى الثاني فهو مسلم إذ بعد سبق العلم لا بد من وجود المعلوم، وإن أراد به معنى ثالثاً ـ فهو غير مفهوم.
وقوله: يجب لمصلحة عباده كلام فاسد فإنه إذا لم يتضرر بترك مصلحة العباد لم يكن للوجوب في حقه معنى، ثم إن مصلحة العباد في أن يخلقهم في الجنة، وأما أن يخلقهم في دار البلايا ويعرضهم للخطايا، ثم يهدفهم لخطر العقاب وهو الحساب فما في ذلك غبطة عند
ذوي الألباب
(2)
الأصل الخامس: إن الله سبحانه تكليف العباد إذ ركب فيهم العقول السالمة الآفات من وليس من الحكمة إهمالهم مع العقول لأن ذلك يؤدي إلى إباحة الشتم له والاجتراء عليه بما ليس من أهله فكيف وقد نزه الجليل سبحانه نفسه عن هذه الصفة فقال: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبا) (3) الآية وقال تعالى: (أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدى (4).
أي مهملاً لا يؤمر، ولا ينهى فكما أنه ليس من الحكمة تكليف من انعرى من العقل
(1) سورة النساء الآية: 160.
(2) راجع إحياء علوم الدين (111/ 1). (3) سورة المؤمنون الآية: 115.
(4) سورة القيامة الآية: 36.