الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٤٣قنطرة الإيمان والتوحيد
227
وإنما عرف تمييز ذلك بالشرع ولقد زلّ من أخذ هذا من المقايسة بين الخالق
(1)
والمخلوق، حيث يفرق بين الشكر والكفران لما له من] (1) التلذذ بأحدهما دون الآخر. فإن قيل: فإذا لم يجب النظر والمعرفة إلا بالشرع والشرع لا يستقر إلا بنظر المكلف فيه. فإذا قال المكلف للنبي: إن العقل ليس يوجب على النظر والشرع لا يثبت إلا بالنظر، ولست أقدم على النظر، إذاً فيؤدي ذلك إلى إفحام الرسول. قلنا: هذا يضاهي قول القائل للواقف في موضع من المواضع: إن وراءك سبعاً ضارياً، فإن لم تتزعج عن المكان قتلك، وإن التفت وراءك ونظرت عرفت صدقي فيقول الواقف: لا يثبت صدقك ما لم ألتفت وراثي، ولا انظر ما لم يثبت صدقك. فيدل هذا على حماقة هذا القائل وتعرضه للهلاك ولا ضرر فيه على الهادي المرشد فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [إن] (2) وراءكم الموت ودونه السباع الضارية والنيران المحرقة إن لم تأخذوا منها حذركم وتعرفون صدقي بالالتفات إلى معجزتي فمن التفت عرف واحترز ونجا ومن لم يلتفت وأصر هلك وتردى ولا / ضرر علي إن هلك الناس كلهم [1/ 241] أجمعون، وإنما علي البلاغ المبين».
والشرع يعرف وجود السباع الضارية بعد الموت العقل يفيد فهم كلامه والإحاطة
بإمكان ما يقوله في المستقبل.
والطبع يستحث على الحذر من الضرر، ومعنى كون الشيء واجباً أن في تركه ضرر، أو معنى كون الشرع موجباً أنه معرف بالضرر المتوقع؛ فإن العقل لا يهدي إلى التعرض للضرر بعد الموت عند إتباع الشهوات فهذا معنى الشرع والعقل وتأثيرهما في تقرير الواجب لولا خوف العقاب على ترك ما أمر به لم يكن الوجوب ثابتاً إذ لا معنى للواجب إلا ما يرتبط بتركه ضرر في الآخرة والله أعلم (3).
(3)
الأصل التاسع: أنه ليس يستحيل بعثه تعالى للأنبياء عليهم السلام خلافاً للبراهمة حيث
قالوا: لا فائدة في بعثهم إذ لا يخلو ما جاءوا به أن يكون موافقاً للعقل أو مخالفاً له.
عنهم،
فمحال أن يخالف الشرع العقل، وإن كان موافقاً لما في العقل ففي العقل كفاية فالحجة عليهم إن العقل يهدي إلى الأفعال المنجية في الآخرة كما يهدي إلى الأدوية المفيدة
(1) من إحياء علوم)
الدين.
(2) من الإحياء.
(3) راجع إحياء علوم الدين (112/ 1).
قناطر الخيرات ج/ 1/ 16