قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٦

مقدمة المؤلف

فلما عرف العبد، سيده ووحده وآمن به وعلمه بعد ما جهله تيقن أنه قد أوجب عليه خدمته وكلفه شكر نعمته ولكنه لا يدري كيف يعبده؟ وماذا يلزمه من خدمته بظاهره وباطنه؟ [1/ 11] بعد حصول هذه المعرفة به / استقبلته:

القنطرة الثالثة. وهي قنطرة الصلاة

مُقدَّم فرضها على الصيام في نزول الوحي أول الإسلام، لا في حالة التكليف والإلزام؛ لأن العبد مأمور بجميع الفرائض منهي عن جميع المعاصي في حالة البلوغ، فوجب عليه عند دخول وقتها الإتيان بجميع وظائفها علماً وعملاً؛ لأنه لما عرف سيده، وجب عليه أن يخضع له، ويخشع، ويذعن له بجميع العبودية.

فلا عبادة تجمع الخضوع والخشوع والابتهال إلى الله سبحانه، والتضرع إليه مثلها. فيجب على العبد الوقوف بين يدي سيده للخدمة بالطهارة الكاملة، والخشوع التام، فبذلك يحظى عنده ويرضى عنه، فإذا واظب على الصلاة، أورثه ذلك لين الفؤاد، وتمرين الجسد، وتذلل النفس إجلالاً لخالقها، وانذلالاً لرازقها، فإذا أتى بالصلاة راغباً راهباً استقبلته: القنطرة الرابعة وهي قنطرة الصوم

عند حلول شهره، ووجوب فرضه، مقدماً فرضه في النزول على الزكاة أيضاً؛ لأن النفوس على الأموال أشح، وفيما يتعلق بالأبدان أسمح وذلك الصلاة والصيام؛ لأن في إيجاب فرض الصيام حثاً على رحمة الفقراء، وإطعامهم، وسد جوعاتهم بما قد عاناه العبد، وقاساه من شدة المجاعة؛ ولأن الصوم يقهر النفس ويكسر شهوتها المسئولية عليها. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام معاشر» الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فليصم فإن الصوم له وجاء» (1).

فوجب على العبد إحكام الصوم بجميع شروطه، وكف جوارحه عن المحرم عليه ظاهراً وباطناً؛ لأن المقصود من الصوم عند أهل التحقيق التخلق بخلق من أخلاق الملائكة، في [1/ 12] الكف عن الشهوات بحسب الإمكان لأنهم منزهون / عن الشهوات والإنسان رتبته فوق رتبة البهائم، بقدرته بنور العقل على كسر شهوته ودون رتبة الملائكة؛ لاستيلاء الشهوات عليه، وكونه مبتلاً بمجاهدتها فكلما انهمك في الشهوات انحط في أسفل سافلين والتحق بأغمار

(1) هو حديث صحيح ذكره البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه وغيرهم غير أنه ذكره بالمعنى لا بالنص.