الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٥٨242
فصل
قنطرة الإيمان والتوحيد
6
ويحكى والله أعلم أن رجلاً خرج سائحاً الله تعالى، حتى دخل بيت المقدس فوجد رجلاً يصلي في المسجد، فلما فرغ قال له: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. فرد فقال: السلام على أهل اليقين والتسليم والإسلام اجلس فجلس فلما اطمأن قال له: عبد أنت أم حر؟ قال: بل حر. فقال: مَنْ أعتقك؟ فاطرق المسؤول مليّاً متفكراً في جوابه ثم قال: لا بل عبد. فقال: من استعبدك؟ فقال المسؤول: الله استعبدني وهو معبودي والعبادة طاعة الله تعالى. فقال: الله الذي استعبدك اسم هو أم صفة أم فعل أم معنى؟ قال: اسم [قال]: لِمَنْ؟ قال:
أخبرني. عن الله تعالى. قال: فأي إلهين تعبد الاسم أم المسمى؟ فانقطع المسؤول وتحير في جوابه فقال المصلي: يا هذا إنما يعبد الله من يعلم ما الله، فأما مَنْ لم يعرف الله فإنما يعبد غير الله، ومن [259/ب] عبد غير الله فقد أشرك بالله. ثم قال: لا يدرك بعقد ضمير ولا إحاطة / تفكير ويقال: مَنْ عبد الله تعالى بتوهم القلب فهو مشرك، ومن عبد الإسم دون المعنى فقد كفر، ومن عبد الإسم والمعنى فقد أشرك، ومن عبد الإسم دون الصفة لا بالإدراك فقد أحال على غائب ومن عبد المعنى بحقيقة المعرفة فهو مؤمن حقاً وبالله التوفيق.
فصل
(1)
في حقيقة التوحيد فحكى عن ذي النون المصري (1) أنه سئل عن التوحيد فقال: أن تعلم أن قدرة الله تعالى في الأشياء بلا مزاج وصنعه لها بلا علاج، وعلة كل شيء صنعه ولا علة
لصنعه تعالى بخلافه.
وسئل بعضهم عن التوحيد فقال: إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بأنه الواحد الذي لم يلد ولم يولد بنفي الأضداد والأنداد بلا تكيف ولا تشبيه ولا تصوير، ولا تمثيل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وقال بعضهم: التوحيد تلاشى الخلائق عند ظهور الحقائق وقال بعض العلماء: أشرف
(1) قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (532/ 11): الزاهد شيخ الديار المصرية ثوبان بن إبراهيم، وقيل: فيض بن أحمد، وقيل: فيض بن إبراهيم النوبي الإخميمي، يكنى أبا الفيض، ويقال: أبا الفياض ولد أواخر أيام المنصور .... قال ابن يونس كان عالماً فصيحاً حكيماً توفي في ذي القعدة سنة خمس
وأربعين ومئتين.
وقال السلمي: حملوه على البريد من مصر إلى المتوكل ليعظه في سنة وكان إذا ذكر بين يدي المتوكل أهل الورع، بكي.