الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٠244
قنطرة الإيمان والتوحيد
مرضك؟ فقال: إني فعّال لما أريد قال: ويخرج عن هذا التوحيد إتباع الهوى، فكل متبع هواه فقد اتخذ هواه معبوداً له، قال الله تعالى: أَرَأَيْتَ مَنْ أَتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) (1).
(1) ،
وقال عليه السلام: «أبغض إله عبد في الأرض عند الله هو الهوى (2). قال: وعلى التحقيق من تأمل عرف أن عابد الصنم ليس يعبد الصنم، وإنما يعبد هواه، إذ نفسه مائلة إلى دين آبائه فيتبع ذلك الميل، وميل النفس إلى المألوف أحد المعاني التي يعبر عنها بالهوى. قال: ويخرج عن الله الخلق والالتفات إليهم، فإن من يرى الكل من عن عز وجل كيف يسخط على غيره؟ فقد كان التوحيد عبارة عن هذا المقام، وهو من مقامات
الصديقين.
اسمه
وهو
هذا التوحيد التسخط
فانظر إلى ما حول وبأي قشر قنع، وكيف اتخذ هذا معتصماً في التمدح والتفاخر بما محمود مع الإفلاس عن المعنى الذي يستحق الحمد الحقيقي. قال: وذلك كإفلاس من يصبح بكرة ويتوجه إلى القبلة ويقول: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً، أول كذب يفاتح الله تعالى به كل يوم إن لم يكن وجه قلبه متوجهاً إلى الله عز وجل على الخصوص؛ فإنه إن أراد بالوجه وجه ظاهر بدنه فما وجهه إلا إلى الكعبة وما صرف إلا [262/ب] سائر الجهات والكعبة / ليست جهة للذي فطر السموات والأرض حتى يكون المتوجه إليها متوجهاً إلى الله عز وجل تعالى عز وجل أن تحدّه الجهات والأقطار. وإن أراد به وجه القلب وهو المطلوب المتعبد منه، فكيف يصدق قول من قلبه متردد في أوطاره وحاجاته الدنيوية ومتوجه بالكلية إليها فمتى وجه وجهه للذي فطر السموات والأرض.
عن
وهذه الكلمة خبر عن حقيقة التوحيد: فالموحد الحقيقي هو الذي لا يرى إلا الواحد الخالق جل جلاله ولا يوجه وجهه إلا إليه، وهو امتثال قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) (3).
وليس المراد به القول باللسان إنما اللسان ترجمان يصدق، مرة، ويكذب أخرى، وإنما
موقع نظر الله تعالى المترجم عنه هو القلب، فهو معدن التوحيد ومقره وبالله التوفيق (4). وأما الإيمان فأصله في اللغة التصديق بالشيء يقال: آمن فلان بكذا أي صدق به، وآمن
(1) سورة الفرقان الآية: 43.
(2) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (34/ 1) رواه الطبراني من حديث أبي أمامة بإسناده ضعيف.
(3) سورة الأنعام الآية: 91. (4) راجع إحياء علوم الدين (34/ 1).