الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٦[269/ب]
250
قنطرة الإيمان والتوحيد
فإذا انتهك الحرمات نمت وزادت حتى يسود القلب كله فيطبع عليه فذلك الختم وتلى: كلاً بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (1).
(1)
الثانية درجة الظن: فإذا تحقق العبد الإيمان ورسى في قلبه، انتقل إلى درجة أقوى مما هو فيه وهي الظن الذي مدح الله به المؤمنين حيث قال: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (2). وقال تعالى: {وَظَنُّوا أَنَّهُ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلا إِلَيْهِ) (3). وهذا الظن درجة في الإيمان أعلى من أوائله، ولذلك مدح الله تعالى به المؤمنين، وذلك أن الظن في لغة العرب على وجهين:
أحدهما: بمعنى الشك كقوله تعالى: (إنْ تَظُنُّ إِلَّا ظَنَا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ)
والثاني: معنى يقرب إلى اليقين، وهو ما قدمناه أولاً قال الشاعر:
(1)
فقلت لهم ظنوا بالفي مدجج سراتهم بالفارسي المسرد ظنوا أي تيقنوا وهذا هو الظن الممدوح به المؤمنون قال: وذلك إن سكنت نفسه إلى وجود الباري سبحانه ووقع في قلبه الإيمان به انتفى عنه الجهل وأعتوره الشك والظن، وهما طريقان: أحدهما يمنة، والآخر يسرة.
فالشك / تردد وتوقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر نحو طريق الجهل والعلم، أحد الجانبين، فمهما ترجح جانب الظن إلى جانب العلم كان ظناً محموداً؛ لأنه جاوز حد الجهل والشكِ إلى الإيمان، فحقيقة الظن ميلان النفس إلى تحقيق ما اعتقده المؤمن
فالظن ترجيح
و آمن به.
الثالثة درجة العلم: وذلك أن الظن يؤل إلى العلم؛ لأن جل أحكام الشريعة إنما بنيت على غلبيات الظنون، فإذا قوي الظن صار علماً، وهو أن يلوح المعنى الذي اعتقده القلب فتطمئن إليه النفس، وربما يعضده الدليل فيتضح به السبيل.
وهذا العلم نور يقذف في قلب المؤمن فيتسع القلب به وينشرح قال الله سبحانه: {وَلَكِنْ
(1) سورة المطففين الآية: 14.
(2) سورة البقرة الآية: 46. (3) سورة التوبة الآية: 118.
(4)
سورة الجاثية الآية: 32.