الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٧١255
قنطرة الإيمان والتوحيد القديم غير محسوس إلا كالشمس والقمر فإنه يصدق بوجودهما بالحس، وليس العلم بوجود شيء قديم أيضاً ضرورياً مثل: العلم بأن الأثنين أكثر من الواحد، ولكن ذلك مثل العلم بأن حدوث حادث بلا سبب محال، فإن هذا أيضاً ضروري فحق غريزة العقل أن تتوقف عن التصديق بوجود القديم على طريق الاعتدال والبديهة. ثم من الناس من يسمع ذلك ويصدق بالسماع تصديقاً جزماً ويستمر عليه وذلك الاعتقاد هو وهو حال جميع العوام، ومن الناس من يصدق به بالبرهان وهو أن يقال له: إن لم يكن في الوجود قديم فالموجودات كلها حادثة، فإن كانت كلها حادثة فهي حادثة بلا سبب وذلك محال فالمؤدي إلى المحال محال. فيلزم في العقل التصديق بشيء قديم بالضرورة لأن الأقسام ثلاثة:
إما أن تكون الموجودات كلها، قديمة، أو كلها حادثة، أو بعضها قديماً وبعضها حادثة. فإن كانت كلها قديمة فقد حصل المطلوب إذ ثبت على الجملة قديم.
وإن كان الكل حادثاً فهو محال؛ إذ يؤدي إلى حدوث بغير سبب، فثبت القسم الثالث [275 أو الأول، فكل علم حصل على هذا الوجه يسمى يقيناً سواء حصل بنظر مثل ما ذكرناه، أو حصل بحس، أو بغريزة العقل كالعلم باستحالة حادث بلا سبب، أو بتواتر كالعلم بوجود مكة، أو بتجربة كالعلم بأن المطبوخ مسهل، أو بدليل كما ذكرنا.
فشرط إطلاق الاسم عندهم عدم الشك فكل علم لا يشك فيه يسمى يقيناً عند هؤلاء،
فعلى هذا لا يوصف اليقين بالضعف إذ لا تفاوت في نفي الشك.
الاصطلاح الثاني: للفقهاء والمتصوفة وأكثر العلماء، وهو أن لا يلتفت فيه إلى اعتبار التجويز والشك، بل إلى استيلائه وغلبته على القلب، حتى يقال: فلان ضعيف اليقين بالموت مع أنه لا شك فيه. ويقال: فلان قوي اليقين في إثبات الرزق مع أنه قد يجوز أنه لا يأتيه. فمهما مالت النفس إلى التصديق بشيء وغلب ذلك على القلب واستولى حتى صار هو
المتحكم والمتصرف في النفس بالتحريض والمنع سمي ذلك يقيناً.
ولا شك في أن الناس مشتركون في القطع بالموت والإنفكاك عن الشك فيه، ولكن فيهم من لا يلتفت إليه ولا إلى الاستعداد له، وكأنه غير مؤمن به، ومنهم من استولى ذلك على قلبه حتى استغرق همه بالاستعداد له ولم يغادر فيه متسعاً لغيره فيعبر عن مثل هذه الحالة بقوة
،
اليقين. ولذلك قال بعضهم: ما رأيت يقيناً لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت.
وعلى هذا الاصطلاح يوصف اليقين بالقوة والضعف، فمن شأن علماء الآخرة صرف