قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٧٣

[1/ 278]

257

قنطرة! رة الإيمان والتوحيد

الوسائط بل يرى كل واسطة مسخرة لا حكم لها، فالمصدق بهذا مؤمن وإن انتفى عن قلبه مع الإيمان إنكار الشك فهو موقن بأحد المعنيين.

فإن غلب على قلبه غلبة أزال عنه هيئة الغضب على الوسائط والرضا منهم، والشكر لهم، ويرى الوسائط في قلبه عند حق المنعم بمنزلة القلم واليد في توقيع الكتابة، فإنه لا يشكر

القلم ولا اليد ولا يغضب عليهما بل يراهما آلتين وواسطتين فقد صار موقناً بالمعنى الثاني. وهو الأشراف وهو ثمرة اليقين الأول وروحه وفائدته ومهما تحقق أن الشمس، والقمر، والنجوم والجماد والنبات والحيوان وكل مخلوق فهي مسخرات بأمره، حسب تسخير القلم في يد الكاتب وأن القدرة الأزلية هي المصدر للكل، استولى عليه التوكل والرضا والتسليم وصار بريئاً من الغضب والحقد والحسد وسوء الظن فهذا أحد أبواب اليقين. ومن ذلك الثقة بضمان الله عز وجل الرزق في قوله عز وجل: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا) (1).

(1) ،

واليقين بأن ذلك يأتيه وأن ما قدر له سيساق إليه، فمهما غلب ذلك على قلبه كان مجملاً في الطلب، ولم يشتد حرصه وشرهه وتأسفه على ما يفوته وأثمر هذا اليقين أيضاً عن جملة من الطاعات والأخلاق الحميدة.

ومن ذلك أن يغلب على قلبه أن من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، وهو اليقين بالثواب والعقاب، حتى يرى نسبة الطاعات إلى الثواب كنسبة الخبز إلى الشبع، ونسبة المعاصي إلى العقاب كنسبة السموم والأفاعي إلى الهلاك، فكما يحرص على تحصيل الخبز طالب الشبع فيحفظ قليله وكثيره، فكذلك يحرص على الطاعات قليلها وكثيرها، صغيرها وكبيرها.

فاليقين بالمعنى الأول قد يوجد لعموم المؤمنين، وأما بالمعنى الثاني فيختص به المقربون، وثمرة هذا اليقين صدق المراقبة في الحركات، والسكنات، والخطرات، والمبالغة في التقوى والاحتراز عن السيئات، وكلما كان اليقين أغلب كان الاحتراز أشد، والتيسير أبلغ. ومن ذلك اليقين بأن الله عز وجل مطلع عليك في كل حال، ومشاهد لهواجس ضميرك

وخفايا خاطرك وفكرك، وهذا متيقن عند كل مؤمن بالمعنى الأول وهو عدم الشك.

(1) سورة هود الآية: 6.