قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٧٤

258

قنطرة الإيمان والتوحيد

وأما بالمعنى الثاني وهو المقصود فهو عزيز يختص به الصديقون وثمرته أن يكون

الإنسان في خلوته متأدباً في جميع أعماله كالمجالس لمشهد ملك عظيم نظر إليه، فإنه لا يزال [279/ب] مطرقاً قائماً متمادياً متماسكاً متحرزاً عن كل حركة يخالف هيئة الأدب فيها، ويكون / في فكرته الباطنة كهو في أعماله الظاهرة، إذ يتحقق أن الله عز وجل مطلع على سريرته، كما يطلع الخلق على ظاهره، فيكون مبالغته في عمارة باطنه وتطهيره وتزينه لعين الله الكائنة أشد من مبالغته في تزيين ظواهره لسائر البشر.

وهذا المقام في اليقين يورث الحياء والخوف والانكسار، والذل، والاستكانة، والخضوع، وجملة من الأخلاق المحمودة، وهذه الأخلاق تورث أنواعاً من الطاعات

رفيعة.

(1)

واليقين في كل باب من هذه الأبواب مثل الشجرة، وهذه الأخلاق في القلب كالأغصان المتفرقة منها، وهذه الأعمال والطاعات الصادرة من الأخلاق كالثمار والأنوار المتفرعة من الأغصان، فاليقين هو الأساس والأصل وله مجاري وأبواب أكثر مما عددناه وهذا الذي ذكرناه في اليقين كاف. والله أعلم الدرجة الخامسة درجة المعرفة، وذلك إذا قوي يقين العبد ترقى إلى درجة المعرفة، واختلفوا في معناها: فقال بعضهم: المعرفة هي العلم فكل علم معرفة وكل معرفة علم، وكل عارف بالله عالم به تعالى وعند هؤلاء القوم المعرفة صفة من عرف الحق سبحانه بأسمائه

،

وصفاته، ثم صدق الله في معاملاته، ثم ينتفي عن أخلاقه الدينة وآفاته، ثم طال يباب الخدمة وقوفه، ودام بالقلب اعتكافه فحظى من الله تعالى بجميل، إقباله، وصدق الله في جميع أحواله، وانقطع عنه هواجس نفسه، ولم يصغ بقلبه إلى خاطر يدعوه إلى غيره، فإذا صار من [280/ب] الخلق أجنبياً، ومن صفات النفس برئياً، ومن المساكنات / والملاحظات نقياً وحق في كل لحظة إليه رجوعه، وصار من قبل الحق يتعرف أسراره، فيما يجري من تصاريف أقداره، سمي

عند ذلك عارفاً، وتسمى حالته معرفة.

وقال بعضهم: من أمارات المعرفة بالله: حصول الهيبة من الله تعالى، فمن ازدادت

معرفته ازدادت هيبته.

وقد روي عن رسول الله أنه قال: «إن دعامة البيت أساسه ودعامة الدين المعرفة بالله

(1) راجع إحياء علوم الدين (72/ 1، 74).