الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٧٥قنطرة الإيمان والتوحيد
259
واليقين والعقل القامع». قيل: وما العقل القامع؟ قال: الكف عن معاصي الله والحرص على
طاعة الله.
ومعنى المعرفة بالله سبحانه أن تعرفه بأياديه الكاملة وصفاته البالغة، وقدرته التامة، وأفعاله الجارية في خلقه من أصناف النعم وضروب النقم. فإذا عرفه عبده بهذه المعرفة لزمت قلبه الرهبة منه والرغبة إليه، وامتلأ قلبه له عظمة وحياء وتتزايد المعرفة في قلب العارف بحسن التفكر، والاعتبار في إتقان صنع الله الموجودات، وحسن تدبيره في أصناف المخلوقات. ومعرفة الله تعالى بحر لا يدرك له قعر، ولا يحيط به بشر، وإنما يحوم الخلق على سواحله وأطرافه بقدر ما تيسر لهم من حسن عون الله، وألطافه، وما خاض أطراف بحر معرفته إلا الأنبياء، والأولياء، والراسخون من العلماء على اختلاف درجاتهم، بحسب اختلاف قواهم، وتفاوت تقدير الله تعالى في حقهم.
وهذه المعرفة إذا قويت في قلب العارف، واستحكمت لاح له من ربه اللطف الخفي، والصنع الحفيّ، والنور الجلي، واستولى على قلبه حب ربه واستأنس بذكره في الخلوات، ووثق بإسعافه في المهمات / وغلب نور قلبه على نور بصره، فأبصر الدنيا خيالاً، والآخرة [1/ 281] مثالاً، وتعرف مع ذلك المريد من ربه في المواطن وكان له ومعه في جميع الأماكن، حتى كأنه يناجيه عند همه ويناغيه عند غمه، وفي هذه الصفة الحديث الطويل الذي رواه أبو هريرة وأسامة بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر أهل الانقطاع إلى الله عز وجل فقال: «لباسهم الخرق، ومسكنهم، العلق، تعرفهم بقاع الأرض، إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفقدوا. . .» الحديث. قال الشاعر:
قلوب العارفين لها عيون تري ما لا يراه الناظرون
وقال آخر:
فلولا الله يحفظ عارفيه لهام العارفون بكل واد
وفي المعرفة معنى الفطنة وعلم تقدمه جهل، فلذلك لا يسوغ على الباري سبحانه أن تقول: عارف بل عالم فهذه الدرجات الخمس التي ذكرناها رتب الأنبياء، والسابقين، والصديقين، والمتقين والصالحين كل يجاهد على قدر قوته ويقرب من الله تعالى على قدر معرفته، نسأل الله تعالى أن لا يخيبنا من رحمته التي وسعت كل شيء بمنه وكرمه. وبالله
التوفيق.
قناطر الخيرات ج/1 م/18