الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٩٦280
قنطرة الصلاة
ينكشف للعبد جلال الله تعالى وعظمته ولا تعمر معرف رفة الله سبحانه بالحقيقة في سر الإنسان ما الله لم يرتحل منه ما سوى ا تعالى من العلائق والأشغال؛ ولذلك قال الله تعالى: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُون) (1). لأنهما لا يجتمعان في قلب، ومَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبِيْنِ في جَوْنِهِ) (2)
وأما عمارة القلب فالغاية القصوى عمارته بالأخلاق المحمودة، والعقائد المشروعة، ولن يتصف بها ما لم يتنظف عن أضدادها من الرذائل المذمومة والعقائد الفاسدة فتطهيره أحد الشرطين: وهو الشرط الأول الذي هو شرط في الثاني، فكان الطهور شطر الإيمان بهذا المعنى، وكذلك تطهير الجوارح عن المناهي المحرمة هو أحد الشرطين، وعمارتها بالطاعات
الشطر الثاني.
عن
ولن ينال العبد الطبقة العالية إلا بعد أن يجاوز الطبقة السافلة، فلا يصل إلى طهارة السر الصفات المذمومة وعمارته بالأخلاق المحمودة من لم يتفرغ عن طهارة القلب من مذموم الأخلاق وعمارته بالمحمود منها ولن يصل إلى ذلك من لم يتفرغ من طهارة الجوارح من المناهي المحظورة وعمارتها بالطاعات المشروعة. فكلما عز المطلوب وشرف، صعب مسلكه، وطال طريقه، وكثرت، عقباته فلا نظنن هذا الأمر يدرك بالمنى وينال بالهوينا، نعم من عميت بصيرته عن تفاوت هذه الطبقات لم يفهم من مراتب الطهارة إلا الدرجة الأخيرة، التي هي كالقشر الأخير بالإضافة إلى اللب المطلوب، فصار يستوعب أوقاته في الإستنجاء [1/ 306] / وغسل الثياب، وتنظيف ظاهر البدن، وطلب المياه الجارية الكثيرة ظناً منه بحكم الوسوسة أن الطهارة المطلوبة. هي. هذه فقط وجهلاً بسيرة الأولين، واستغراقهم جميع الهم في تطهير القلوب، وتساهلهم في الأمر الظاهر، حتى أنهم ما كانوا يغسلون أيديهم من الدسومات والأطعمة بل
كانوا يمسحون أيديهم وأصابعهم بأخمص أقدامهم، وعدّوا الأشنان من البدع المحدثة. ولقد كانوا يصلون على الأرض في المساجد، ويمشون حفاة في الطرقات، وفي طين الشوارع، ويجلسون عليها، ويأكلون من دقيق البر والشعير وهو يداس بالدواب وتبول عليه، ولا يحترزون من عرق الإبل والخيل مع كثرة تمرغها في النجاسات ولم ينقل قط عن واحد منهم سؤال في دقائق النجاسات فهكذا كان تساهلهم وبالله التوفيق (3).
(1) سورة الأنعام الآية: 91. (2) سورة الأحزاب الآية: 4.
(3) راجع إحياء علوم الدين (125/ 1).